أن تكون سوريّاً في ٢٠٢٠


للنظام السوري مفاهيمه الخاصة للتعقيم أيضًا

٢٠٢٠ والعالم

إذا كنت سوريّاً أو كنتِ سوريّةً تقرؤون مقالي هذا اليوم، فاسمحوا لي بتهنئتكم قلبيّاً كونكم أبطالاً صمدوا حتّى اللحظة.

لقد استقبلتم بكل تأكيدٍ العقد الجديد بذات العبوس والتشاؤم الذي استقبلتم فيه كل عامٍ من الأعوام التسعة الماضية. ودّع العالم العام الفائت بطريقةٍ أخرى. منهم من لاقى نجاحاً مهنيّاً أو دراسيّاً خلال العقد المنصرم، ومنهم من وجد حبّ حياته. منهم من رمى بالعشر سنواتٍ السابقة وراء ظهره بحزنها وفرحها واستعدّ لبدايةٍ جديدةٍ في الحياة، ومنهم من وجد في تميّز الرقم سبباً كافياً للاحتفال. وأنتم يا رفاق؟ لا أظن أنّكم وجدّتم في تبدل الأرقام أي سببٍ يدعو للسعادة، بل ولربما انزويتم ليلة رأس السنة في غرفكم الصغيرة تضحكون من تفاهة العالم، فليس في نظركم أي عامٍ مميّزٍ سوى العام الذي سيحمل لكم نصر ثورتكم، بغض النظر عن أي رقمٍ سيحمل ذلك العام في التقويم.

لكنّنا اليوم وبعد مضي الثلث الأوّل من السنة صرنا ندرك تماماً أن ٢٠٢٠ ليست كسابقاتها في أعين العالم، بل ربما سيكتب التاريخ ٢٠٢٠ معنوناً بها صفحةً سوداء من صفحاته. مع بداية العام كادت أن تندلع مواجهاتٌ عسكريّةٌ بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوريّ الإيرانيّ قاسم سليماني، الأمر الذي استقبله السوريون بقلوبٍ مفتوحةٍ لكون القتيل أحد أكبر جلاديه السفّاحين. بعد فترةٍ وجيزةٍ وفي سياقٍ منفصل تدخّلت قواتٌ تركيّةٌ في سوريّة بشكلٍ مباشرٍ للمرّة الأولى وكاد الأمر أن يتطوّر لمواجهةٍ مباشرةٍ بين الأتراك والروس على الأرض السوريّة. تمخّض عن هذا خلافاتٌ تركيّةٌ أوروبيةٌ مما دعا تركيا لفتح حدودها الأوروبيّة للاجئين السوريين في سعيها للضغط على الأوربيين في متاجرةٍ علنيّةٍ بآلام الناس ومعاناتهم. عدّة لاجئين قتلوا على يد حرس الحدود اليوناني والمئات هاموا على وجوههم في البراري ولا يزالون عالقين على الحدود التركيّة-اليونانيّة حتى اللحظة. كما شهدت بداية العام كوارثاً أخرى في العالم ربما كان أبرزها حرائق أستراليا التي أفضت إلى هلاك مئات الملايين من الحيوانات البريّة فضلاً عن احتراق ملايين الهكتارات من المساحات الخضراء وسقوط عدّة ضحايا من البشر. كل هذا قد يبدو طبيعيّاً ومألوفاً ولم يغيّر في العالم الكثير، ولكن الفرق بين هذا العام وأسلافه قد يكون بسيطاً بعض الشيء، الموت الجماعي اليوم ليس حكراً على السوريّين وحدهم. قد تبدو جملةٌ كهذه تحمل الكثير من التشفّي والحقد والكراهية للعالم، على العكس، هذا ليس ما قصدته، لكنّه الحقيقة. ما صنع الفرق في الحقيقة كان تفشّي فايروس كورونا مطلع العام منطلقاً من الصين غازياً العالم أجمع. والسؤال الذي يراودني هنا، هل كان العالم بحاجة وباءٍ يشغله عنّا لتهدأ المدافع وتصمت البنادق؟ لقد فشلت في السنوات السابقة كل اتفاقات وقف إطلاق النار التي كان من شأنها أن توفّر علينا أرواحاً كثيرةً وأحزاناً شديدة، وفي النهاية فرض الفايروس وقف إطلاق النار الخاص به دون أي ضجيجٍ أو مناوءات. هكذا، وخلال أسابيعٍ قليلة، ساد الصمت العالم كلّه.

كورونا والسوريون

قد تكونون يا أصدقائي وصديقاتي تقرؤون كلماتي هذه من داخل غرف الحجر الصحي القسري الخاصة بكم والتي بتنا جميعاً نمقتها، ولكنّنا قد نكون الأقدر على النجاة فعلاً، ليس لأن مناعة أجسادنا أقوى من غيرها كوننا كبرنا في جوٍ يعبق بالغبار والمبيدات الحشرية كما يحبّذ البعض الاعتقاد، ولكن لأنّنا اعتدنا الاغتراب في عالمنا وداخل مجتمعاتنا الجديدة، لأنّنا اعتدنا النبذ والجدران. اعتدنا الخوف حتّى صرنا لا نعرف لحظةً في حيواتنا لا يحكمها الخوف والتوجّس. ليس حجرنا هذا بمختلفٍ عن حياتنا السابقة بشكلٍ كبير. من منّا لم يعزل نفسه مع حزنه بين جدران غرفته الغريبة محاولاً عدم نقل عدوى الكآبة لمن هم حوله؟ ألم يحجر كثيرٌ منّا أنفسهم في بيوتهم لئلّا تطالهم أعين الناس كوننا في اعتقاد الكثيرين محرّك أزمات وخزّان مشكلاتٍ متحركٍ ينقل معه المصائب أينما حل وارتحل؟ من منّا لا يملك أخاً أو صديقاً خلف قضبان الظلم الأسود وغياهب الجدران العالية المسيّجة بالأسلاك والعسكر؟ نفكر بأولئك الذين دفعوا حرّيّتهم ثمناً لحرّيّتنا المنشودة. نفكر بهم من داخل سجوننا ذات الخمسة نجوم. أراهن أنّهم سيضحكون حتّى الجنون إن علموا أنّنا حبسنا أنفسنا في غرفنا الصغيرة خشية المرض.

قد تكونون يا أبناء هذا الشعب البائس تقرؤون كلماتي هذه من داخل خيام لجوئكم المتوزّعة على حدود دول الجوار والتي لن تنفع للحجر الصحي على أيّة حال، فأي قماشٍ وبلاستيكٍ سيقف أمام وباءٍ استسلمت له بلدان العالم الأوّل. وقد يكون الأمر بالنسبة إليكم سيّان، فما الكورونا أمام الأتربة والرمال والغبار والأعاصير والرياح وبرد الشتاء وحرّ الصيف إلّا مزحةً غير طريفة. ومن يهتم منكم لو مرض العالم كلّه؟ صدّقوني لو كنت مكانكم لاخترعت وباءاً يقتل كل من ينام في سريره بدفءٍ وسرور، لكنت رششت رمال تلك الصحراء في أعين البشر جميعاً، أو صنعت من صبّارها مقاعد للنبلاء يجلسون عليها صباح مساء، ولكنت أفلتُّ ثعابينها وعقاربها خلف الحدود تعقص مؤخراتهم علّ ضميرهم يصحو، بينما أرفع لهم أصبعي الأوسط ضاحكاً بانتشاء.

أو قد تكونون يا رفاقي ورفيقاتي تقرؤون كلماتي هذه من داخل حدود مملكة الرعب القائمة حتّى اليوم على رفات أهلنا وأصدقائنا. لا تصدّقون ربما ما يجري في العالم بسبب الدعاية الرسميّة التي لا ترى في أي قطرة مطرٍ ولا أي ريحٍ تهب إلّا مؤامرةً تستهدف النظام القائم. فحكومة الممانعة تحارب الفايروس بالتجاهل، هذا إن كان لديها أساساً نيّةً بمواجهته. فماذا يشكّل فايروس يسبب أعراض الرشح ونزلة البرد لدولةٍ واجهت مؤامرةً كونيّةً ضحّت في سبيل محاربتها ملاييناً من أبناء الشعب في سبيل الوصول إلى "المجتمع المتجانس"، بل قد يصبُّ الفايروس في مصلحة الدولة في مسعاها للوصول إلى ذلك المجتمع المزعوم، فأصحاب المناعة الضعيفة سيشكّلون عائقاً للنظام في مواجهة العالم، من وهذا المنطلق يخفي النظام أعداد المصابين والضحايا وكأنّه يواسي نفسه بانتصارٍ كاذبٍ كهذا، أو يقول للعالم مثلاً: نحن دولةٌ فاشلة ربما، ولكنّنا منيعين في مواجهات الجراثيم المطالبة بالحرّيّة والفيروسات التي تعجزون عن التصدّي لها. وأن قامت الجهات الرسميّة هناك بمحاولةٍ لمحاربة الوباء فلن يقنعنا أي شيءٍ بأنّها تقوم بذلك حبّاً بالشعب ولو بلعت الحكومة أوراق المصحف ورقةً ورقة، لن تكون إجراءاتها إلّا محاولةً لإعادة شرعنة النظام القائم كسلطةٍ سياسيّةٍ قادرةٍ على إدارة أمور بلدٍ ممزّقٍ كأبنائه المشرّدين في أصقاع الأرض.


بل ربما استطاعت الحكومات التي ترمي فشلها على الخارج وتتبجّج بالمؤامرات شمّاعةً تعلّق عليها كل سقوطٍ لها أن تمرّر طريقة التفكير هذه إلى شعوبها، فترسّخت فيهم وحافظوا عليها كأسمائهم حتّى بعد أن شقّوا عصا الطاعة وثاروا على تلك الحكومات. قد تكونون أنتم أيضاً يا أعزائي من محبّي نظرية المؤامرة التي تعطي صاحبها شعوراً بالغبطة والنشوة لشعوره بأنّه مستهدفٌ فقط. تعطيه شعورٌ بأنّه محور الكون دون سبب، بأنّه كيانٌ مرئيٌ في العالم، ولن تجد لو بحثت أيّ دافعٍ قد يدفع العالم للتآمر عليه، فهو أساساً مُتآمرٌ عليه من أبناء جلدته وحكّامه، متروكٌ للوباء والفقر والقهر ليجهز عليه. وإذا واجهته بتلك الحقيقة راح يرميك بكل ما تعلّمه حول الماورائيات وعلم الغيب وصور الأعداء التي يحفظها ونظريات الصمود والتصدّي. أو قد تصوّرون الأمر كانتقامٍ إلهيٍ أو تحذيريٍ أو أن ذلك على علاقةٍ ببعض الروايات الدينيّة. كل هذا متاحٌ اليوم، طالما لم يثبت أي ثابت، فاعتقدوا ما تشاؤون.

كورونا والدولة الحديثة

ليس تعامل كثيرٍ من دول العالم الأوّل مع الفايروس المستجدّ بمختلفٍ عن تعاملها مع ثورات الشعوب أو القضايا الإنسانيّة. كل ما يهم هذه الدول هو كبرى الشركات والاقتصادات القائمة أساساً على أصحاب رؤوس الأموال الذين تتسابق الدول إليهم لإعانتهم في مأزقهم اليوم ولتعويضهم عن خسائرهم، في محاولةٍ لكسب ود النخبة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في نظامٍ طبقيٍ بائد، بينما آلاف العمال الصغار والموظّفين الهامشيّين قد يواجهون خطر فقدان عملهم ورواتبهم في أي لحظة. الوضع الحالي ذهب بوزير الاقتصاد الألماني لطرح خيار تأميم بعض المنشآت والشركات. لا يعتقد المرء هنا أنّ الأمر بالنسبة للوزير المنتمي لحزب الاتحاد المسيحي يتعلّق بالتأميم من وجهة النظر الاشتراكية، بل بمحاولة الحفاظ على ثبات الوضع الراهن (status quo). وهكذا كان العالم في تعامله مع كل الأزمات وأزمتنا بشكلٍ خاص. يتّخذ دوماً الخيار الأكثر أماناً، وهذا الخيار كان دائماً الوضع الصامت، وضع المراقب والمترّقب فقط. كما أنّنا نلاحظ أن بعض الدول تقلّل من خطر الوباء وتستهين به أو تبدّي مصلحة الاقتصاد والمال على الحفاظ على حياة كبار السن، فتختار الاقتصاد، في حالٍ مشابهٍ لسياساتها تجاه قضيتنا أيضاً.


فشلٌ آخرٌ للدولة الحديثة يجسّده عجزها الواضح في مواجهة الوباء واختيار الحجر الصحيّ كحلٍ أساسيٍ لمواجهة الوباء على كل ما ينطوي عليه هذا الإجراء من مصادرةٍ للحريّات وتقييدٍ لحركة الحياة وعواقب اجتماعيّةٍ ونفسيّةٍ قد لا تكون طويلة الأمد. كما أن النقص الشديد في الأجهزة الطبيّة بدا جليّاً في بلدانٍ تعتبر متطورةً في حين تبيع ذات الدول في اليوم الواحد عشرات آلاف الصواريخ والأسلحة المتطورة، بل والدبابات والطائرات لديكتاتوريات العالم أو لتغذية صراعٍ مسلحٍ في بلدٍ ناءٍ، بينما تعجز ذات الدولة حاليّاً عن سد حاجة المواطنين من كمّامات الفم والأنف، بل وصارت تُباع الكمّامة هناك كما كانت تباع جرعة الهيرووين في السابق وقد يصل سعرها لحد الخمسين دولاراِ بينما كانت في السابق لا تساوي أكثر من سنتٍ واحد، كما أن كثيراً من أبناء شعوب تلك البلدان قد أبدى هلعاً كبيراً قد يدلُ إلى حدٍ كبيرٍ على هوّةٍ تفصله عن حكومته، ولنا في حمّى الشراء في أوروبا وثقافة محارم المرحاض - التي لا يعرف الناس لماذا يخزّنونها أصلاً - خير مثال. ولكن، من غير المنصف لوم الشعوب على سلوكها تجاه سياسة الحجر الصحي، ألم تستهتر بلدانٌ كإيطاليا وألمانيا بالوباء لدى صعوده في سبيل الحفاظ على مواصلة الحياة وخط الإنتاج؟ ألم يعقّد تأجيل الحجر الصحي وحظر التجوّل سلباً على مواجهة الجائحة؟ لقد تأخر منع السفر من وإلى الصين أشهراً طويلةً ولو واجهت تلك الدول الوباء بشكلٍ جدّيٍ وأخذت سلامة مواطنيها بعين الاعتبار لكان الحال اليوم مختلفاً جداً، هنا يظهر فشلٌ آخرٌ للدولة بشكلٍ واضح، الدولة التي تدير شؤونها على أنها شركةٌ ربحيّةٌ فقط. وليس من العجيب صعود السوق السوداء إلى الواجهة ليشكل بديلاً اقتصادياً عن الدولة. من جهةٍ أخرى فإن مهناً كالتمريض ورعاية المسنين تعتبر من أقل المهن دفعاً في أوروبا، مما جعل الدولة تعاني من نقصٍ حادٍ في الكوادر، فطالما كنّا نسمع عن دعواتٍ وحملاتٍ لرفع أجور العاملين والعاملات في المجال الصحي.

لقد كان هذا مجرد رؤيةٍ سوريّةٍ للوضع الراهن، من وجهة نظرٍ مكلومةٍ ومنكسرة، من إنسانٍ من ملايين الناس التي باتت ترى العالم كلّه من نافذة حزنها وخذلانها وحسب. لقد واجهنا جميعاً قسوة العالم وها نحن اليوم نرى العالم يواجه قسوة الطبيعة، إلى جانبنا، ولسنا الضحايا الوحيدين هذه المرّة. كثيرٌ من سياسي العالم كانوا ضحيّة المرض، كرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسن والعديد من السياسيين والعسكريين الإيرانيين. وهكذا وسمت الجائحة عام ٢٠٢٠ بينما ينظر الناس إلى الأعوام السابقة على أنّها أعوام رخاءٍ واستقرار، فقط لأن البؤس حينها كان مقتصراً على أولئك الذين صنع منهم عالمهم غرباء، فقط لأن المأساة كانت تجري بكل فصولها ومشاهدها خلف الحدود البعيدة ولا تمسّهم شخصيّاً، ولأن القهر كان حكراً على قلوبنا. لا يدري العالم أن كل بومٍ من أيام عنائنا وتعسنا كان ٢٠٢٠ مصغّرة. وجلّ ما أتمناه الآن، ألّا يعود العالم بعد محنة ٢٠٢٠ كما كان قبلها.

0 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"