الموت التام لحافظ الأسد

Updated: Jun 12, 2019

بقلم : محمّد


في كل يوم، في كل مكان، سلامٌ على الخوف، رفيقنا الأوفى. إن كان للخوف ربٌّ, فمن أجدر من حافظ الأسد أن يكون ربّه؟


عشت الثلث الأول من حياتي حين كان حافظ الأسد يحكم سوريا من قصره في المهاجرين, وثلثيها وهو يحكمها من قبره في القرداحة. في مملكة الخوف, لاشيء حقيقي وثابت أكثر من الخوف. في علم الأدوية هناك مصطلح "العمر النصفي للدواء". العمر النصفي هذا مهمّ لمعرفة مدّة بقاء الدواء في الأوعية الدموية قبل أن يُطرح خارج الجسم. هناك أدوية تبقى ساعات و أخرى تبقى أيامًا. أراد حافظ الأسد أن يسقي السوريين خوفاً عمره النصفي هو الأبد بعينه.



قبل فترة اتّصلت والدتي الموجودة في فرنسا، بي أنا المتواجد في ألمانيا, عبر برنامج “واتس أب”. ضمن الحديث عرّجتُ على ذكر مظاهرة في ألمانيا ضد النظام السوري, وصلني ارتباك والدتي من الطرف الآخر على الهاتف, بصوت مرتجف قالت لي: “برضاي عليك بلاه هالحكي عالتلفون”. السوريون يؤمنون أن لكلّ مواطن عنصر مخابرات مخصّص يستمع إلى أحاديثه الهاتفيّة.


تابعت قبل مدّة فيديو لمقابلات مباشرة تستطلع آراء مواطنين في دمشق أثناء "الحدث العالمي" معرض دمشق الدولي. شعرت أن النّاس الذين تمت مقابلتهم كانوا يهذون, حرفيَّا. يكررون كلمات غير مترابطة ومستهلكة منذ ثمانية أعوام, جمل منزوعة من سياقها, كتلك التي يسمعونها من المحللين السياسيين في الإعلام الوطني. كأن أمامهم مهمّة قول جملة صحيحة بأقل قدر من الخسائر. في مقابلة مع إحدى السيّدات التي تبدو في منتصف العمر زل لسانها في سياق الحديث وقالت: “الله يخليلنا حافظ الأسد".


يعتقد فرويد, صاحب مدرسة التحليل النفسي, أنّه ليس هناك في الواقع ما يسمّى “زلّة لسان” وأنّ كل تلك الزلّات, خصوصاً في المواقف التي يطغى فيها التوتر, تكون ذات دلالة ومعنى و تحمل درجة معقولة من الصحة، لأن التوتر والقلق يحجب الوعي وبالتالي يكشف الغطاء عن مكنونات اللاوعي. زلّة ذكر اسم حافظ الأسد هذه ليست نادرة, فقد سبق وأن وقعت فيها سيّدة أخرى أيضًا أثناء الانتخابات الرئاسية عام 2014.

كانت السيدة يومها خائفة و محاطة بمن يتوقع منها ألا تخطئ أبداً, أرادت أن تكون كلماتها محسوبة جداً, بدون أيّة أخطاء. تلقائيًا انزلق اسم “حافظ الأسد” من فمها. اسم ربّ الخوف الأول. إلى اليوم, لم يمت حافظ الأسد بعد في لاوعيها. ربّما في هذا اللاوعي, ذكر اسمه فقط سيمحي كلّ خطأ آخر محتمل حتماً. خروج أصوات هذه الحروف مجتمعة في فضاء محفوف بالشّكوك التي تستلزم إثبات الولاء كفيلٌ بضمان النّجاة.


ما هذا الخوف الذي زُرع فينا؟ من سيمحي تراكمه لأعوام في سراديب عقولنا؟ يخيّل إلي أنّ الخوف في هذه الأيام “السودة” هو رفيق السوريين الأوحد واللامفارق في هذا العالم. هو معهم أينما كانوا, أينما حلّوا أو ارتحلوا. حتى لو كانوا بعيدين ألاف الأميال عن مملكة الخوف الأسدية, سيبقى لديهم هاجس الهاتف المراقب و سييبقى الحذر موجوداً أثناء أي حديث. سيخفض الجميع أصواتهم عند ذكر اسم الأسد, حتى لو كانوا في مقهى وسط أناس لا يتكلمون العربية. سيهذون باسمه بعد عشرين عاماً على وفاته متلفتين.

ما هذا الخوف الذي زُرع فينا؟ من سيمحي تراكمه لأعوام في سراديب عقولنا؟ يخيّل إلي أنّ الخوف في هذه الأيام “السودة” هو رفيق السوريين الأوحد واللامفارق في هذا العالم. هو معهم أينما كانوا, أينما حلّوا أو ارتحلوا

هذا الخوف المرضي, ربّما ذو الطبيعة الهوسية حتى, جعلنا أيضاً حذرين في فرحنا واحتفالاتنا. عندما يحصل ما يستوجب الفرح على الصعيد الشخصي أو العام, لا نسمح لأنفسنا عادةً نحن السوريون -أو على الأقل أنا شخصياً و كثيرون أعرفهم- أن نفرح فرحاً تاماً كاملاً. نحن نفرح نصف فرح، بترقب وتوجس. هناك شعور في دواخلنا بأننا ربما لا نستحق الفرح التام, هناك خوف من خيبة أمل ربما تكون قريبة ستحبطنا أكبر لو كان فرحنا قبلها غير مضبوط.

نحن نتعامل مع أفراحنا في دواخلنا ببخل و كأنها محدودة و عزيزة يجب أن نقتصد فيها وأن لا نسرف بها. ندخر القسم الأعظم منها ليومٍ يستحقّ أن تخرج من أجله دفعة واحدة و تتحرر. هل سيأتي هذا اليوم؟


في مثل هذا اليوم من حزيران قبل تسعة عشر عاماً مات الذي أراد الأبد لسلالته. أراد تأبيد كل شيء في سوريا, فخانه جسده الأرضي ومات. ليوم العاشر من حزيران كل السلام، اليوم الذي ارتاحت فيه أرضنا من جسد حافظ الأسد.

لعلّ لعن روح الطاغوت الذي هتفنا به ثوارًا في ساحات الحرية كان إدراكاً لا واعياً منّا بأن سطوة هذه الروح ما زالت تسمّم حياتنا ووجداننا. اليوم ذكرى موتك الجسدي, والعقبى لليوم الذي سنفرح فيه بموت حقيقي للخوف الذي زُرع فينا. عندها يكتمل الموت التامّ لحافظ الأسد.

237 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"