رسائل إلى حارس الثورة

أن تولد في «عشرية حافظ الأسد الثالثة» حيث شعارات «إلى الأبد» تعبق المكان؛ أن تترعرع في أحياء «الهامش» و«الأطراف» لأنّ سياسات آل الأسد الاقتصاديّة والاجتماعيّة تقتضي، بل تقوم، على ذلك؛ أن تنشأ في بلاد القهر والظلم هذه على واجباتٍ دون حقوق؛ أن تكبر دون أن تعي أيًا من دورك كإنسان فرد في إدارة شؤون مجتمعك، لأنّها وظيفة «القيادة»، ناهيك عن مفاهيم سوداء من «طاعة أولي الأمر» و«لا تنام بين القبور» وغيرها من مُبررات السوريين الجمعية للاستقالة من الشأن العام؛ أن تصبح حارس مرمى المنتخب الوطني «للشباب» وأنت تعلم أنّ علاقات عائلتك ومدى نفوذ مقربيك في دوائر الأمن والمخابرات، وليست لياقة العضل ورشاقة الأداء ما سيحدد مستقبل مسيرتك المهنيّة؛

أن تثور في «عشرية بشار الأسد الثانية» لتصيح بالفم الملآن وتغنّي على أنغام القدود «ما في للأبد»؛ أن تعتلي منصّات جمهورٍ سعيد، يتلاشى معه «الهامش» وتتحول فيه «الأطراف» ساحاتٍ للحريّة وأعراسًا لها؛ أن تكتشف بلادك الجديدة هذه، حيث لا قهر وظلم، وتنشد لها في معرض اكتشافك «جنّة يا وطنّا!»؛ أن ترابط في لحظة ثورتك العارمة تلك في حمص «المحاصرة»، ومعك خيرة الشباب، عامين كاملين متحديًا «القيادة» وواطئًا «منامات» السوريين «الوِحشة»؛ أن تتحوّل من حارس «منتخب» إلى حارس «الثورة»؛

ذلك ما تعنيه البطولة! أن تصنع من نفسك، مع شعبك، ما أردتَ أن تكون له، لا ما فرضه النظام وأرادوه لك حتى ظننته القَدَر!

في وداع الساروت، لا نتلمس ملاكًا لا يخطئ، ولا مرشدًا أعلى «معصوم»، إنما نقابل تكثيفًا أعلى -لكن ويا للأسف، أخير- لبطولة سمراءِ نبيلة، فعلت بعنفوانها -ومعها كثير ممن قضى نحبه وممن ينتظر- ما غيّر وجه بلادنا والتاريخ. في هذه المقالة ننشر رسائل وخواطر فريق لسا موجود إلى حارس الثورة وعنه.



عدسة شاب دمشقي - تشييع عبد الباسط الساروت بمدينة الريحانية التركية.

"مات الساروت"

بهذه الرسالة التي أرسلتها يارا لي بدأت يومي

حاولت أن أشغل عقلي بكل شيء عدا أن هذه الرسالة صحيحة.

لم أجرؤ على فتح المحادثة لكي أسألها إن كان الخبر صحيحَا حقاً!

تجاهلت وتابعت قراءة رسائل الأصدقاء، دخلت تويتر وتفاجأت بأن الجميع يترحمون على عبد الباسط الساروت: بلبُل الثورة!

لم أستطع التصديق.. كنت مفجوعةً من هول الخبر.

حاولت البحث عن تغريدة تنفي خبر استشهادك ولكن يبدو أنك أصبحت عند الرب الرحيم، هذه المرة فعلًا! عند فدوى وباسل وخالد ومي وغياث وجميع من نادى وفدى بصوته وروحه الحريّة.

بكيت، بكيت كثيراً، سقطت من كثرة البكاء

شيءٌ ما بداخلي اشتعل وانطفأ، في كل مرة أحاول فيها نسيان الأمر يباغتني صوتك الشديّ وبحتهُ العتيقة، صمودك أنت وفدوى في إحدى مظاهرات حمص وهتافكم، يذكرني بأن الثأر فرضُ عين على كُلّ حُر.

في جنات الخُلد يا بطل، مع من تمنيت اللقاء بهم.

وداعاً يا جميل، وداعاً!


التصميم لـ مصطفى يعقوب

عبدالباسط الساروت مرتبط لدي بالأمان، أمان البدايات الثورية الصادقة، الأمان بأننا جميعاً معاً وسنتجاوز كل من يقف في طريقنا.

عبدالباسط بطلنا الشعبي، روبن هود حكاياتنا، لقد كنت دافعاً وجدانيًا لكثير منّا بشجاعتك وبساطتك وصدقك، لطالما تنفسنا وجعنا الواحد في بحة صوتك، ورأينا مستقبل سوريا في ابتسامتك الصادقة، القوية، والحقيقية.

أنت ابن أمهات الشهداء والمعتقلين.

(الله يحميك يا ساروت .. الله يحميك يا أمي) تلك عبارة جدتي في كل مظاهرة كنتَ تخرج فيها في حمص.

أنت أخونا جميعاً، صوتنا جميعاً، وحارس الدفاع عن ثورتنا، كنت وستبقى.

بفقدانك أمس فقدت الأمان، وفقدت ما اعتقدت أنني تدربت عليه من الاعتياد واللامبالاة وتقبل الهزائم.

عزاؤنا الوحيد أنك باقٍ.. باقٍ في قلوبنا جميعاً.. في أحلامنا وذاكرتنا.

سيرافقني صوتك بالليالي الصعبة، كما رافقني دائماً، لكن اليوم مع مسؤولية جديدة: "مشان الله لا تضيعوا دم الشهداء.. مشان الله لا تضيعوا دم الشهداء".

مع السلامة يا أخونا.. مع السلامة يا وفي

غيابك كسرنا وسيكسرنا لآخر يوم.

كفيت ووفيت ومسامحينك.. بتستاهل ترتاح.



"طلعت جنة جنة جنة، طلعت جنة جنة جنة!"

بأكثر من هذا الحماس كان قريبي الصغير يدعونا لسماع أغنية جنة يا وطنا كلما بثّها تلفزيون أورينت، حسنًا، أنا أيضًا كنت صغيرة حينها -11 سنة- ومع هذه الأغنية وهذا الفرح بدأت ذاكرتي معك تتشكل وأنا أحاول أن أفهم الثورة، ومعها –جنة يا وطنا- تحولتَ إلى ذكرى عزيزة جدًّا. بعد أول ليلة لك في الجنة، بيوتنا نحن المغتربين مقرات عزاء لا يدخلها أحد، وتزيدها الأحزان وحشة في كل مرّة.

كان في بيتنا عزاء صغير لم يعلم به أحد، مثل الكثيرين ممن لم نسمع بهم أيضًا. عدتُ البارحة إلى 2014 عندما استشهد أخي، وكنا كما اليوم، وحيدين في الغربة نعزّي بعضنا دون أن يأتينا أحد نشاركه خبيتنا.

خيبة يا عبد الباسط ألا تغني لنا الحرية الكاملة، خيبة ألا تقود بصوتك احتفالات الإفراج عن المعتقلين، هل تخيلت حشود الناس الفرحين حينها؟ أتخيل أنا الذين ما زالوا أسرى ولم يصلهم خبر استشهادك!

نحن هنا، بقينا نحضّر بعدك وبعد كل شهيد لوحدتنا في كل فرح قادم سعيتم إليه، سنكون وحيدين بغيابكم، مثل البارحة.

خبر موتك –المؤكّد- هزّني، كم مر عليّ من الزمن وأنا أماثل الصخر في التفاعل مع الأحداث؟

قرأته على عدسة شاب دمشقي أو لم أقرأه كله، عدت إليه فيما بعد وراجعت السطرين الأخيرين، (استشهد عبد الباسط) أول ما سألته لنفسي كيف تنشر العدسة خبرًا غير مؤكد كهذا؟ إذ متى خرج لنا أحدهم وأكد إشاعات رحيلك، حلمك؟

أتساءل كيف احتفى بك الشهداء الذين يعرفونك ولا تعرفهم؟ هل تعرفت عليهم؟ أم ما زلت تغني لقاءكم المنتظر مع أشقائك؟

الذين اعتدنا موسيقاهم صباحًا يسمعون معنا أغانيك هذا الصباح، منذ البارحة والجميع يرثيك بصوتك، على طريقتك وكما ودعت ورثيت الكثير من شهدائنا.

"أنا واحد من هذا الشعب"، الشعب الذي حمّلته دينًا جديدًا ليصنع الوطن الجنة، لأجلكم، ولأجل "لا تضيعوا دم الشهداء". لكنني أفكر بالجنة الشاحبة التي تصطف فيها شواهد قبور باردة، تزداد كلّ يوم بلا انقطاع.

في نهاية كلّ كلام وحزن، استشهد عبد الباسط أجمل ذكرياتنا عن الثورة المخلصة، بثوب جديد وجميل جدًّا، تمامًا كما يليق به.



كنا نقول : وأنت كرمال الله خليك معنا، وأنت تقول "كرمال الله لا تضيّعوا دم الشهداء يا شباب"

حاضر يا روح الثورة، لكن الحمل تقيل كتير!

اليوم أراك بين الحشود مُوحِّداً لكلمة الثورة الأولى التي نطقتَ بها، أراك بلبلاً مازال يغرّد وكأن روحك مازالت تحوم لتطمئن علينا.. أنت يا من حملت شعلة الثورة وصرخت مزلزلاً عرش الأسد، تسابقت بين رفاقك على حملها بأمانة، لم يحطمك فقدان أحدهم ولا وحشة الدرب.

أقف صامدة أمام الجميع كرامةً بثورتنا وشجاعتك التي تُخجل ما أنا عليه من عجز، لكن روحي تآكلت وتاهت الآن مترقبة بصمت قاتل من تبقى لحمل الشعلة بعدك ومن سيصدح بصوتنا الخافت!

اليوم عرفت أننا في نفس العمر وقد اخترنا الثورة طريقاً للحرية معاً، لكن أين أنت وأين أنا الآن! لقد ضعتُ عنكم وتفرقت بنا السبل بينما كنتَ تحفر بأناملك الصخر لتؤمن عالمنا الذي تمنيناه.

مع السلامة يا صداح الشعب مع السلامة يا روح الثورة الطاهرة، مع السلامة يا مسك فايح.




مع كل خوف امتزج بالروح يا عبد الباسط ونحن نحمل الثورة في عيوننا وأيدينا قبل قلوبنا. كان صوتك يعلو مؤنساً "وإن جيتك يما شهيد ما تبكين عليا".

كان الأمر ساخراً إذ عدت لرسالة كتبتها لأمي في أواخر 2011 قلت لها: إذا عدت يوماً شهيدة اسمعي زفة الساروت وما تبكي.

تذكرتْها أمي اليوم، وتذكرتُها في وداعك، ستصير أغنياتك مؤلمة أكثر، لن تعيد لنا صور كل الذين رحلوا وحسب بل ستذكرنا دوماً أنك أخذت صوتك معك في ذلك الطريق الطويل ورحلت دونه.

تزفك البلاد وقلوب الذي آمنوا مثلك وعجزوا أن يكونوا في مكانك لألف سبب ما رأيتَ منها أنت واحداً، كلما كنت تصر أن تعود وتوجه هتافك رصاصاً إلى صدر الشيطان الأكبر، تلعن ظلمه، تغني للبلاد المكسورة الخاطر فيجبرها آلاف المرددين وراءك لها. صوتك يرمز للثورة مهما كذبنا وتجملنا، ومهما حاولوا تشويه طريقنا وطريقك، ستبقى الأكتاف تحملك أمانة لما سيأتي، وكيفما سيأتي. كان تشييعك مظاهرة كما أحببت دائماً، في البلاد التي تهتف وتغني عند رحيل أبنائها كي لا يُشعل دمعها ناراً بهم.

"رجع الخيّ يا عين لا تدمعيلو فوق كتاف رفقاتو ومحبينو"

إذ كنت تغني لكل سوريا واليوم تقف سوريا كلها حداداً عليك، الكل يبكي، الجميع يرسل رسائل العزاء لنفسه وللثورة وللبلاد، تشرذُمنا طويل الأمد ذاك انكسر عندما صار رحيلك انكساراً سورياً كاملاً.

البدايات، المرحلة التي نكذب دائماً عندما ندّعي خلاصنا منها وتجاوزها، أنت أكثر من يمثلها فينا، لذلك وأنت ترحل كل الكون يغني معنا "جنة يا وطنا راح الساروت عنا"..

دمك الطريق يا صديقنا دمك الطريق لنكمل ما آمنا به دوماً.



أؤمن يا شهيد الحرية بأن البطل الحقيقي هو القادر على أن يكون بطلاً في حياته وحتى بعد مماته.

لو لم تكن بطلاً لما فعل خبر استشهادك ما فعله بنا، ولما كان ذلك أشبه بجَرح جُرحٍ عميقٍ بعد اندماله.

لقد أعادنا إلى بداياتنا الأروع.. ذكّرنا بخيبته وخيبتنا، نعم لقد نلت حلم الشهادة الذي لطالما رددته بصوتك الشجي "حلم الشهادة يما حلم من سنين" وتركتنا نحن لنتذكر بأن الغادر الذي عليه أن يغادر بقي والأمين الذي عليه أن يبقى رحل..

يا لخييتنا ويا لهناك!

ربط الله على قلوبنا يا حارس ثورتنا الأمين.


صديقي العزيز :

أنت لا تعرفني، ولكنّني أعرفكَ جيداً، أعرفكَ كما تعرفك ساحات مدينتنا التي باتت خاويةً، ساكنةً لا روح فيها منذ سنوات. تلك الساحات التي اشتاقت إليكَ وإلينا وذبلت في انتظارنا، هناك، حيث صدحنا بأحلامنا بملئ أصواتنا، تلك الساحات التي حلمتَ بالعودة إليها لتعيد الحياة إليها محتفلاً بالنصر المنتظر!

ليتكَ تعرف حجم الفاجعةِ يا صديقي، ليتك تدرك أن مصيبتنا اليوم مصيبتين: واحدةً بفقدانك، والأخرى خيبتنا. فكم أردنا الاحتفال معاً بنصر ثورتنا التي كنتَ من رفقائها الأوفياء منذ يومها الأول وبذلتَ في سبيلها الكثير، لقد كنتَ معطاءً جداً يا صديقي! كنتَ بسيطاً تشبهنا، فقيراً تشبه قلوبنا، شامخاً تشبه ثورتنا، جميلاً تشبه أحلامنا، متجدّداً تشبه آمالنا، وصامداً لا تشبه أحداً بذلك.

كنتُ دائماً ما أتهرّب من الإمعانِ بالنظر في ملامحك! طالما كنتُ أخجل أمام ابتسامتكَ التي كانت تبعث الأمل فينا كلنا بعد كلّ انكسار. الأمل الذي يحتضرُ اليوم، كنتُ أقول في نفسي، كيف لكَ أن تحافظ على ابتسامتكَ رغم كلّ ما آلت إليه ثورتنا؟.

ولكن كيف لي اليوم أن أهرب من سماع صوتك الذي بات يملأ الدنيا ثورة؟ كيف لي أن أهرب من سماع صوتك يغني "جنة يا وطنا" و "حانن للحرية حانن"؟ صوتكَ الذي دخل كل منزلٍ ثائر وسكنَ قلوب الجماهير.

يا صديقي، كيف لي أن أواجه ساحة الخالديّة إن عدّتُ يوماً؟ ماذا سأقول لها؟! أستصدّق أن صوتك الفتيّ قد كتمه الموت؟! أستصدّقُ أن فارسها قد ترجّل؟! أن عيناكَ المتّقدتان بالتفاؤل قد انطفأ نورهما؟! أن ابتسامتك النقيّة قد خطفها الغياب؟! كيف لم يستحِ الموت أمام براءة ناظريك؟!

لقد بكيتُ مرات كثيرة في ساحة الخالديّة بينما أردّد من بعدك: "نقسم بالله العظيم٬ لن نتراجع عن هذه الثورة". لقد كنتَ أنتَ أول من نطقَ بتلك الكلمات وأكثرنا تمسّكاً بها ووفاءً لها وإصراراً عليها.

اختلفتُ معكَ في عدّة مواقف، عندما سمعتُ أنّك قد حِدتَ عن درب ثورتنا، حزنتُ يومها ولكنّني كنتُ عاجزاً عن كرهك أو شتمك. لكنّك، يا صديقي، عدت وأثبتّ للجميع ولي انتماءك الخالص لقضيةٍ بذلت دماءك في سبيلها.

أتدري يا صديقي، تعجبني فيك روح الثائر، لقد كنتَ الأكثر تمرداً وثوريةً بيننا، الأنبل والأشجع في المواقف. علّك أخبرتني، أين تعلّمت ذلك؟ أين تعلمتَ أن تكون نموذجاً في الصدق والثبات؟ لقد كنتَ رمزاً وحّد ولم يفرّق؟ وحّدتَ شعباً بأغنياتك التي كنتَ تعبّر فيها عن تعاطفنا مع ثوار المدن الأخرى. وحّدتَ شعباً عندما لم تكن تعرف في الثورة حدوداً! وحّدت شعباً عندما استشهدتَ في أرض، بينما جبهتك تتوقُ إلى تراب حمص ودفنت في أخرى! ووحّد الوطنَ أخيراً الحزن الذي لفّه عند استشهادكَ!

لقد كنتَ تلعب مع الموت يا صديقي، وفي كل مرّةٍ تراقصه فيها تنجو من أنيابهِ بأعجوبة حتى ظنّنا أنّك أقوى من أن تطالكَ كفهُ قبل النصر. لكنكَ رحلتَ فعلاً هذه المرّة، رحلتَ ولن ترحل ذكراكَ يا باسط، ستبقى حيّاً بينما نكمل درب ثورتنا، ستكون حيّاً بينما ننتصر وستبقى حيّاً إلى الأبد، تراقب مبتسماً الوطنَ الذي طالما حلمت برؤيته حراً، عزيزاً، كريماً وسالماً.

وكان ما ظنناه يا باسط، نعم، أنت أقوى من الموت فأمثالك تموت منهم الأجساد، وتظل أرواحهم خالدة، وهكذا روحكَ يا باسط لن تغادر المرمى، ستحرسهُ إلى الأبد! لقد كنت حارساً أميناً، وثائراً مخلصاً.

قصمتَ ظهر الثورة اليوم يا باسط وبعثرت أشلاءنا برحيلك، ثم عاد صوتكَ ينشد لنا فلمّ شملنا، ليتك تأتي اليوم لترى كم يحبّكَ هذا الشعب الذي أحببتهُ! كيف تبادلكَ العشقَ تلك البلاد المنكوبةُ المتّشحةُ بالسواد لفراقك!

لا أصدّقُ أنني أرثيكَ الآن! لستُ مقتنعٌ بفكرةِ موتكَ أساساً، أنت حيٌ يا باسط، ولكنّ الاشتياق والفقدان قاتلان!

ستنعيكَ الملايين سيرسمون وجهكَ على كل الجدران، وستكتبُ لرحيلكَ الأقلامُ حزناً، ولكن، من سينشدُ لنا اليوم: "شهيدنا راح،على الجنة راح"؟!



ربما كان الساروت إنساناً عادياً قبل 2011 لاعب كرة قدم يحب مشاهدة الأفلام وسماع الموسيقى وترديد الشعر الشعبي، ثم صنعت منه الثورة بطلاً للفقراء ورمزاً وأيقونةّ وشعلةّ في عيون الملايين لا تنطفئ، وجد ذاته في آمال الملايين وربما في صرخاتهم التي اختلطت بالتضحية والعاطفة لسنوات، من يرى ذاته في هذا لا يراها في شئ آخر بعد ذلك، ربما كان هذا سبب صدقه ووفائه منقطع النظير للثورة، لطالما اعتبرتُ شخصياً أن إيمانه بالثورة فوق منطقي، هو وعبد القادر الصالح وفدوى سليمان ومي سكاف وغيرهم من الأيقونات التي تميزت باستثنائيةٍ في الوفاء والتضحية والإيمان بآمال الشعب اليتيم، إيمانه بالثورة هو حالة عجيبة بحد ذاتها، آمن بها وكفر بغيرها وكان مقداماً فداءً لها حتى في أكثر حالاتها بؤساً وهشاشة، لأنه آمن بها كجوهر حياته يرى نهايتها نهايته، ربما عجز عن أن يعود عادياً بعد أن صنعته الأيام بطلاً لا ينحني، مضى إلى هدفه ونهايته سعيداً.

عاش الساروت كل التقلبات في ثورةٍ عصفت بها الرياح من كل جانب، ولكنه بقي ثابتاً في وفائه وإخلاصه وصدقه وإيمانه بها. مازلت أذكر ترنيمته الشهيرة «فاقد هويتي يابا ألقاها فين، ولمستا بثورة يابا ضد الظالمين»

هكذا كان الساروت، كان «نحن» عندما وجدنا ذواتنا، وكان «نحن»عندما أضعناها، كان إنساناً من صناعة ثورة.

0 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"