ميسلون الجديدة

Updated: Nov 24, 2019

مثّل الحدث الأكثر انطباعًا في الهويّة والذاكرة السوريّة المعاصرة، هزيمة عسكريّة. معركة ميسلون.

يمكن للمرء حتى المحاججة بأنّ ميسلون قد مثّلت الحدث الأكثر سوريةً في تاريخ البلاد الحديث، الإحتفاء بها يطغي على الاحتفاء بالجلاء نفسه: على اسم بطلها نُصب تمثال في وسط ساحة الأمويين منذ 1951 المشُيّد بتبرعات الجالية السوريّة في البرازيل 1937 ونُقل إلى الوطن بعدها بعام،[*] ورغم إلغاء النظام السوريّ للكثير من عناصر الهويّة السوريّة كما انبثقت منذ منتصف القرن التاسع عشر ناهيك عن التاريخ القديم، فإنّه لم يمّس شكري القوتلي – نظرًا لدوره في الوحدة – ولا يوسف العظمة – نظرًا لدوره في ميسلون – فاحتفلت المناهج البعثيّة بذكره؛ وحين شيّد ضريح الجندي المجهول على سفح قاسيون عام 1985، زٌين الإطار الداخلي بخمسة لوحات تمثّل معاركًا من تاريخنا كان ثالثها معركة ميسلون، لتصطفّ إلى جانب محطّات عسكريّة مفتاحيّة في تاريخ بلادنا هي اليرموك وحطّين، وكذلك في «صرح الثورة السورية الكبرى» في القريّا (بدأ بتشييده 1987)؛ ومع محاولات اكتشاف السوريّة عقب صعود الوريث إلى السلّطة حُوّل منزل آل العظمة في حيّ المهاجرين إلى متحف يوثق "مرحلة 1915 – 1925" المهمّة؛ وبقيت كلمات العظمة الأخيرة قبيل مغادرته دمشق: "ليلى (ابنته) أمانة في عنقكم فلا تنسوها"، محفوظة حتى في العهد الانتدابي (وقال منير العجلاني أنّ المبلغ الذي خصصته الحكومة لابنة الشهيد 8,000 ليرة سوريّة سنويًا ظلّ يدفع لها ولابنها بعد وفاتها – ويساوي المبلغ بأسعار 2018، حوالي 23,000 دولار أمريكي سنويًا أو 12,000,000 ليرة سوريّة)، أما ذكرى استشهاده فغدت منذ الاستقلال احتفالاً تُحمل فيها الورود من مختلف الديار السوريّة إحياءً لذكره؛ ناهيك عن صدور عدّة أعمال توثيقيّة بارزة قبل النظام وبعده موثقةً بأدقّ التفاصيل التي لم تتمتّع بلادنا بها يومًا (حتى الثورة وعصر اليوتيوب) أحداث المرحلة، من المجلد الثالث لمحمد كردعلي في «خطط الشام» (1925) إلى «فاجعة ميسلون» (1937) و«يوم ميسلون» لساطع الحصري (1948) وحتى منشورات وزارة الثقافة الأقل أكاديمية والأكثر استعراضيّة؛ وأما في الأدب، فدّبج أحمد شوقي، الياس فرحات، إيليا أبوماضي، خير الدين الزركلي، عمر أبوريشة، خليل مردم بك، زكي قنصل ومعروف الرصافي وآخرين قصائدًا في استذكار المناسبة وإعادة إنتاجها، ولعلّ أشهر القصائد عن المناسبة هي تلك التي دبّجها عمر أبوريشة، فسوى كونها ضمن مقرر اللغة العربيّة لجيلي الثمانينات والتسعينات فهي تحوي بيت الشعرِ الذي غدا مثلاً: "شرفُ الوثبة أن ترضي العُلا، غلبَ الواثبُ أم لم يغلبِ"؛ وأخيرًا وليس آخرًا ففي الإعلام صدر «حمام القيشاني» (1994) التي تبدو مقدّمته الغنائيّة جزءًا من الذاكرة الوطنيّة لشباب أواخر التسعينات إلى «إخوة التراب» (1996) وصولاً إلى «الشرف الرفيع»، الوثائقي من إنتاج الجزيرة (2010) وحرائر (2015) الذي يتمحور حول النضال النسوَي في سنوات 1915 – 1920 ومنهنّ نازك العابد، المرأة الأولى التي نالت لقب «نقيب» فخري في الجيش السوريّ بأمر الملك فيصل ووزير دفاعه، العظمة.


الاحتفاء بميسلون، وهي هزيمة عسكريّة ونهاية الاستقلال السوريّ، تستدعي شيئًا من التأمل: نموذج الشاب (كان العظمة حين استشهاده في السادسة والثلاثين) الذي يموت دفاعًا عن الشرف – أو بكلماته: كي لا يقال سقطت دمشق دون مقاومة. كم تكرر هذا النموذج في الثورة – ثمّ الحرب السوريّة؟ ألا تبدو لنا ميسلون اليوم – الثورة السوريّة مكثّفة؟ أو الثورة هي ميسلون موّسعة ومفرودة على سبعة سنوات؟ قبل تسعة وتسعين عامًا، طالب السوريون بالاستقلال وإن كان لابدّ من حماية ومساعدة أجنبيّة فلتكن من قبل الولايات المتحدة الأمريكيّة؛ تنازل المؤتمر العام، السلطة التي أعلنت الاستقلال، تباعًا عن مطالبه: منذ بداية 1920 اعترف باستقلال لبنان، وانتداب سوريا الجنوبية، وإنذار غورو، وحلّ الجيش وأخيرًا الانتداب الفرنسي كأمر واقعٍ، أي أنّ المؤتمر، أبدى ما بوسعه من مرونة مقابل التصلّب الفرنسيّ، تصلبًا يجدُ أساسه في تخوّف الأخيرة من روابط الملك فيصل مع بريطانيا، فلم تجد بدًا من خلعه ونفيه واحتلال الدخل السوريّ أو بمصطلحات غورو «المدن الأربع» بالقوّة، وكسر إرادة المؤتمر السوريّ – رغم تجسيده إرادة الشعب وكونه وعاءً للأمّة، واحتكاره من وجهة سياسيّة تمثيلها.


اليوم أيضًا، يسقط الشباب من أجل الحريّة والكرامة، لا مؤتمرًا عامًا ولا جماهير في المرجة تشهد إعلان الاستقلال، لكنّ إرادة الشعب ووعاء الأمّة تجسدا في الشوارع والساحات، في المظاهرات والجنائز، «أعراس الحريّة»، وعُبّر منذ انتفاضة درعا 2011 عن المطالب: إطلاق الحريات العامة وإلغاء حالة الطوارئ (قد يلغى القانون لكنّ الحالة نفسها لا تزال مستمرة)، الحريّة والكرامة؛ واليوم أيضًا، كلّ ما أُبدي من مرونة سياسيّة لم تجدي نفعًا أمام طغمة الحكم في المقلب الأول، و«الفصائل» في المقلب الثاني والتي تحوّلت بدورها إلى سلطة وصاية وانتداب جديد على الشعب. حتى ما انتقدت به ميسلون نفسها "جيش شريفي مفكك ومتنافر، مستكمل بعناصر من الأحياء الشعبية" (الاقتباس هنا من كتاب نشوان الأتاسي، تطور المجتمع السوري، ص. 75 والصادر عن أطلس للترجمة والنشر في بيروت 2015) يبدو صالحًا لوصف حركات المقاومة المسلّحة التي اصطلح على تسميتها «الجيش الحر» منذ أواخر 2011 وحتى ذوبان الأخير أمام «الفصائل» مع بروز الإمارات الثلاث في الرقة وادلب والغوطة، واستلاب القرار الخارجي لعواصم الإقليم. ما هو بالأمس هو نفسه اليوم.


ميسلون كانت نتيجة إعلان الاستقلال السوريّ في 8 آذار 1920، الإعلان نفسه لم يحتفى به لا في الذاكرة ولا في التاريخ على أهميته، ربّما، لاستخدام البيان مصطلح «الأمّة السوريّة» (بتداخل ودون نزاع مع «الأمّة العربيّة»، فالأمّة لغويًا هي الجماعة ذات الرابطة المشتركة وبالتالي لا تحتاج لسفسطة سياسيّة أو احتكار في تعريفها) لم يرُق للقوميين العرب ولم يناسب البعثَ حكمًا، فطوُي من الذاكرة والتاريخ:


فنحن أعضاء هذا المؤتمر، رأينا بصفتنا الممثلين للأمة السورية في جميع أنحاء القطر السوري تمثيلاً صحيحًا، نتكلم بلسانها ونجهر بإرادتها، ....، استناداً على حقنا الطبيعي والشرعي في الحياة الحرة، وعلى دماء شهدائنا المراقة، وجهادنا المديد في هذا السبيل المقدس، .....، وعلى ما شاهدناه ونشاهده كل يوم من عزم الأمة الثابتة على المطالبة بحقها ووحدتها والوصول إلى ذلك بكل الوسائل، فأعلنا بإجماع الرأي استقلال بلادنا السورية بحدودها الطبيعية، ومن ضمنها فلسطين، استقلالاً تاماً لا شائبة فيه على الأساس المدني النيابي، وحفظ حقوق الأقلية.


بعد تسعة وتسعين عامًا، لا نزال نطالب بحكم مدنيّ، ونيابةٍ حقيقيّة عن الشعب، ولا نزال بحاجة لتطمين "حقوق الأقلية"، لا نزال نطالب بحقّ أمتنا ووحدتها. فماذا بعد؟

كما الهزيمة في ميسلون تحوّلت احتفالاً بالكرامة، كذا الثورة اليوم؛ وكما لم تكن نهاية الفعل السياسيّ بل استمراريته، (لا يوجد عمل توثيقي مفصّل عن المعارضة السياسيّة في سوريا 1920 – 1925،[†] لكنّ ما رشح عنه ثلاثة أحداث مهمة: اغتيال رئيس الوزراء الانتدابي علاء الدين الدروبي في درعا 1920، مظاهرات فيكتوريا في دمشق 1922 ضدّ زيارة بلفور؛ و تبنّي سلطان الأطرش مطالب بيان الاستقلال في نداءه للثورة الكبرى 1925 – كذلك نحن اليوم: حكمٌ مدنيّ نيابيّ، يرعى حريّات الفرد وكرامة الإنسان – ليسوا أمورًا طارئة أو «مستوردة» بل هو جوهر ما رام الأجداد أن يوضع العقد الاجتماعي عليه، وهو ما برحَ الشعب يعيد النضال من أجله. التأمّل في يوسف العظمة في «المحافظة» لا يستدعي في الذهن هزيمةً بل استمرارًا واقتباسًا من ياسين الحاج صالح، من مرّ بما مررنا به لا يمكن لشيء أن يوقفه[‡].



[*] نصب التمثال أولاً في ساحة المحافظة ثمّ البرلمان وأخيرًا في ساحة الأمويين حتى 1966 حين أدخل إلى مبنى قيادة الأركان، ثم نقل إلى موقعه الحالي في ساحة المحافظة مجددًا بناءً على طلب من حافظ الأسد في 1973 واستبدل التمثال التاريخي بآخر لا يُشهر سيفه في 2007.


[†] هناك بعض العرض غير التفصيلي ليوسف الحكيم في سورية والانتداب والفرنسي من منشورات دار النهار 1982، ومرآة الشام لنبيه العظمة الصادر بعيد الانتداب والانتداب الفرنسي على سورية 1920 – 1923 مجموعة مقالات كتبت في المنفى من قبل الدكتور خليل سعادة، هناك طبعًا ما يورده كردعلي في المجلد الثالث من «الخطط»


[‡] حقّ الخسارة، نشرت في الجمهورية.نت، 25 تشرين الأول 2018.

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"