حِمص

Updated: Apr 18, 2019

Lydia Waldmann -اللوحة من تصميم الفنانة الألمانية ليديا فالدمان -


حمص، سوريا.

الثامن عشر من نيسان لعام ٢٠١١، الساعة العاشرة مساءً.


يركض الناس في اتجاهاتٍ مختلفة، بينما يتساقط البعض الآخر على الأرض. بعد خمس دقائق لم يعد يُسمع شيء على الإطلاق، كأن شيئاً لم يحدث هنا، كأن هذا المكان لم يشهد لتوه واحدةً من أبشع مآسي هذه المدينة، وفاتحةَ مآسٍ أخرى أفظع وأقسى سوف تتالى تباعاً وستفتح الباب أمام قتلها ووأد انتفاضتها تماماً، تلك الانتفاضة التي ستكون لاحقاً أسطورةً حقيقيةً وقصةً تُحكى.

لماذا يطلقون علينا نيرانهم بهذه الطريقة؟


كل شيءٍ كان سلمياً للغاية، كل ما كنا نملكه بضع لافتاتٍ نحملها، محتواها لا يؤذي أحداً، كتبنا عليها أحلامنا للمرة الأولى بالخط العريض، قبل أن تمحوها دماؤنا. كتبنا شعارات للحرية ولوحدة الشعب، شعاراتٌ ستبدو للوهلة الأولى غير مختلفةٍ عن شعارات حاكمنا المبجل الذي أرسل جنده لإسقاطها، والتي صدّع بها رؤوسنا ورؤوس آبائنا منذ عشرات السنين.




لقد حاولنا استعطاف الجنود وكسب تأييدهم دون جدوى، هتفنا: "نحن مسالمون، نحن أخوتكم" لكن يبدو أن القضية كانت قضية انتماءٍ وهوية لم نفهمها منذ اللحظة الأولى. كان الخوف والتوتر في تصاعدٍ طرديٍ مع تهديدات الجنود بإطلاق النار وفض الاعتصام التاريخي هذا بقوة البارود، لم يستبعد معظمُ المعتصمين هجوماً دموياً، بينما القلة القليلة كانت تعتقد أن هذه التهديدات لن تعدو كونها محاولات شفهية لإقناعنا بالرحيل ولا تدعمها نيةٌ حقيقيةٌ للهجوم.


لقد نجحتُ بالفرار سالماً ولكنني فقدتُ صديقي الذي اصطحبني للاعتصام، لقد حاولت الاتصال به مراراً دون نتيجة، لقد أمضى ليلة الأمس وهو يحكي لي عن المشاعر التي تنتاب المرء عند التظاهر: "إنه شيءٌ أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، تشعر بأنك تتمرد على عالمٍ كامل. أدركت لاحقاً أن عدونا الداخلي هذا ليس إلا انعكاساً يجسد صورة عالمنا بأسره، عالمٌ أنانيٌ للغاية، ومنافقٌ جداً. تشعر بأنك قد كسرت كل قيدٍ قد ألفته منذ ولادتك، تصرخ وتصدح بكل ما كان يثير رعبك منذ بدأت تتخلى عن فطرتك وتتعرف إلى قانون الغاب هذا الذي يحكمنا، إن الأمر خطير للغاية، ولكنه يستحق المجازفة الكبيرة هذه، صدقني".


ثم جرى كل شيءٍ بشكلٍ عفوي، ذهبنا معاً لتشييع ضحايا احتجاجات الأمس، ثم تطور الأمر إلى اعتصامٍ في كبرى ساحات المدينة، لم يكن في يدي خيارٌ آخرٌ إلا الذهاب معه، بعد كلماته يوم أمس، أردت في المقام الأول إشباع فضولي، لكنني أردت أيضاً الاندماج بفعالية في الحراك الشاب رغم مخاوفي.


عندما بدأ الجميع بالركض، أشار هو إلى أحد الشوارع الفرعية وقال لي: "اركض من هنا، سنلتقي بعد قليل، سآتي إلى منزلك، انتبه لنفسك!". قالها وركض باتجاه شارعِ فرعيٍ آخر، كأنه يختار قدره بنفسه، ربما لجأ إلى منزل أحد الأصدقاء أو الأقارب ريثما يهدأ ضجيج هذه المدينة التي أشبعها الظلمُ والوحشيةُ موتاً وأحال شوارعها الوديعةَ إلى مقابر.




لامستْ أشعة شمس الفجر عينيّ المتعبتين، لم يأتِ ولم يتصل! لقد قضيتُ الليلة على الهاتف وسألتُ كل معارفه والأقارب عنه، لم يره أحد.


هلعي وخوفي ازدادا عندما نزلت إلى الشارع وسمعت همسات الناس لبعضهم البعض بعدد القتلى والمعتقلين ليلة أمس، الأرقام مرعبة، كلٌّ يأتي برقمٍ جديد يزيد عمن قبله، هل قُتل؟ هل اعتُقل؟ لقد قال لي بالأمس أن الموت أسهل من الاعتقال بعشرات المرات، حكى لي عن أساليب التعذيب التي أثارت رعبي واشمئزازي، قال لي:" المعتقل يتمنى الموت في اليوم ألف مرة، لا مخلّص هناك من العذاب إلّا الموت، حتى وإن اعترف المرء بما يريدونه وبما لم يفعله أبداً، لن يغفر له ذلك ذنبه".



بعد ثلاثة أشهر

صديقي لا يزال مختفياً، ما من أحدٍ يجرؤ حتى على السؤال عنه، فقد يكون هذا المسكين الضحية التالية لآلة الاعتقال التي لا ترحم، والمُفزعة جداً.


الوضع في البلد لم يعد كما كان سابقاً، التظاهرات باتت حدثاً يومياً، الموت أيضاً. التعامل القاسي مع الاحتجاجات، التي كان بالإمكان احتوائها منذ البداية، لم تبقِ للغة العقل مكاناً، السلاح انتشر كالنار في الهشيم، سادت معه لهجةٌ جديدة ابتعدت عن أهداف الثورة الأولى، لم يعد هناك أملٌ بإحداث تغييرٍ حقيقيٍ بطرقٍ سلمية كما كنا نعتقد سابقاً.


في محاولة استعادة السيطرة على المدن المحررة، بدأت المدن تنهار فوق رؤوس قاطنيها بفعل أسلحة القوات النظامية الثقيلة، كل شيءٍ يسير عكس ما كنا نريده له. لقد حلمنا بالحرية والعدالة، ولكننا الآن نرى حلمنا يتحول مع منازلنا ومدننا إلى أطلال، حلمٌ كجنينٍ لم يُكتب له أن يبصر نور الحياة، هكذا مات حلمنا حيث وُلِد، في رؤوسنا.


أين أنت الآن يا صديقي؟ هذا الحال لن يرضيك لو كنت بيننا.


"يجب أن ننتقل بهذا الوطن إلى الديمقراطية، حيث يعيش الجميع في ظل دولة القانون، الدولة التي يجب أن نناضل من أجلها. النظام لن يهدينا حريتنا بالمجان، لهذا يقع على عاتقنا مسؤولية كبيرة، كمواطنين مدنيين، أن نقاوم بكل الطرق السلميّة الممكنة في وجه آلة العنف هذه، من أجل كرامتنا ومستقبلنا" قال كلماته هذه بإيمانٍ وقناعةٍ تثيران الإعجاب.

ماذا لو طرقَ بابي الآن وسألني إن كنت على قدر المسؤولية؟ ماذا عساي أجيب؟ سأخبره أن حلمنا تحول إلى حمام دم، وأن الموت يعشعش اليوم في كل زاوية، أن رفاق الأمس قد أصبحوا جنوداً بعد أن تجرعوا الخذلان، اليأس يُقرأ بوضوح على الوجوه الخائبة، أن كلمة "سلميّة" والتي وسمت انتفاضتنا منذ الأيام الأولى صارت تثير السخرية، أن كل شيءٍ تغير في غيابه، أن منزله تحول إلى حطام، وأمه لا زالت هناك تنتظره.


عندما يعود، سأخبره بكل هذا.


بعد سبع سنوات

منذ منتصف عام ٢٠١٨ بدأ النظام بإرسال إشعارات إلى ذوي كثير من المعتقلين، بأن أبنائهم قد توفوا في المعتقل بسكتة قلبية أو ما شابه، والدة صديقي تلقت أيضاً رسالةً سوداء كهذه حيث كُتب اسمه، مع رقم جثته وتاريخ استشهاده عام ٢٠١٣.

253 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"