محاولات نجاة: أرجوك يا إلهي، أريد أن أنام

Updated: Sep 25, 2019



اليوم الأول:

في سوريا، كلمة اعتقال قد تكون مُدرجة في كتاب القدر المكتوب للشعب، فهو مجرد فعل عشوائي قد يحصل مع أي شخص من دون أسباب مسبقة، تماماً كأي حادث سيارة مفاجئ، يقع الأمر دون حتى أن يعرف الإنسان: لم يحصل كلّ هذا الشيء؟

في أول يوم من رمضان منذ خمس سنوات بالتحديد، أوقفني حاجز عسكري على أطراف مدينة حمص، حيث كنت أنا وحوالي سبعة أشخاص في الحافلة نفسها، وكما جرت العادة طلبوا بطاقاتنا الشخصية وأخذوها لغرفة "التفييش".

غابوا عنّا حوالي ربع ساعة، وخلال هذه الفترة الوجيزة -التي تحصل بحياة الإنسان السوري عدة مرات في اليوم- يولد فيها الإنسان ويموت، يعاد شريط ذاكرة الحياة كلّه والنتيجة غالباً ما تكون "يا الله هل أغضبتك بشيء ما وقد يأتي العقاب الآن؟ أرجوك لا، أنقذنا يا رب..".

يعود ليظهر عنصر الأمن ويعطي الجميع بطاقاتهم ما عدا بطاقتي وبطاقة شخص آخر من منطقة القريتَين، ويسأل: "مين عدي؟"، فأجاوبه بصوتٍ مرتجف: "أنا".

- تفضل بدنا نسألك سؤال بس، لا تمشّوا الباص خلوكن عم تستنوه. أنزل من الباص بأرجل أثقل من الصخر، وكتفٍ يحمل أكبر مخاوف الدنيا، أمشي بجانب العسكري نحو الغرفة: - أنت أبوك أبو شو يا عدي؟ كم أخ عندك؟ شو أسماءهن؟

في الحقيقة وللحظات فقدت ذاكرتي، ما اسم أبي؟ أخي؟ من أنا.. يبدو أن الأسئلة التي يطرحونها كأسئلة لمسابقة ستكسب فيها هدية الحياة أو الموت، جاوبت بعد عناء استمرَّ لعدة ثوان في رأسي عمّا سألوه. - رجاع عالباص.

الطريق من الغرفة إلى الحافلة كان مليئاً بأسئلة: "من المذنب؟ أنا أم والدي، الذي اعتقل قبلي بشهر وتمَّ الإفراج عنه لاحقاً؟ أم أخي المتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية؟".

جلستُ في مقعدي مخطوف اللون. "أرجوك يا إلهي أعد لي بطاقة الهوية، أرجوك، أرجوك". أصبحت مركز لفت أنظار الجميع، ملامح الشفقة تعلو وجوههم، أرادوا مساعدتي ولكن الكلّ يعلم، لا جدوى. بعد خمس دقائق تقريباً العسكري نفسه:

- عدي، تعا بدنا ياك لسا بكم سؤال.

نزلت من الحافلة، فباغتني من الخلف وكان معه عنصر آخر، أمسكا يدَيّ وكبّلاها بأقسى الطرق وأكثرها وحشية، شعرتُ حينها بأنني لستُ إنساناً، لستُ سورياً، لا أنتمي إليهم، ولم أشاركهم العيش في هذه البلاد من قبل.

دخلت الغرفة ووضعوني وراء الباب، نظر إليّ الضابط وقال لي: "بس ما شكلك شكل إرهابي"، واتصل بدورية من الفرع لتتجه نحونا وتأخذني.. إلى أين؟ إلى فرع الأمن العسكري في حمص كما علمت لاحقاً.

تبدَّد كل شيء في رأسي، انتهى فصل الخوف من الاعتقال، أنا الآن معتقل، لننتقل إلى المرحلة القادمة، أريد النجاة، النجاة فقط.. كيف سيعلم أهلي أني هنا؟ كيف؟ هل سأكون مجرّد شخصٍ مفقود لا أحد يسأل عنّي ولا أحد يعلم مكاني؟ إلهي.. أريد الحياة، أريد الحياة.

عليّ أن أشير هنا إلى أن كلّ دقيقة تمرّ في مثل هذه الأوقات يشعر بها الإنسان وكأنها دهر، وعلى هذه الشاكلة وقفت حسب تقديري حوالي النصف ساعة في الزاوية، أستلم ضربة على رأسي من هنا، وشتيمة من هناك، ولكن كل شيء بي تخدّر حينها، كلّ ما كنت أريده، أن يعلم والدَيّ بمكاني.

وصلَت سيارة الدورية، ومن يقود هذه السيارة هو حتماً ليس إنساناً، ولا بأي شكل، هو شيء هائج يريد فقط أن ينزل من سيارته وينهال على الناس بالضرب، لا أعلم ما هي اللغة هذه؟ بما يعبّر الضرب؟ ما الممتع في أن ترى إنساناً يُضرَب بلا مقاومة؟ بعدما أنهى مهمته وانتهيت أنا معها، وضعني في السيارة وركب بجانبي من كل جهة عنصر من العناصر -خوفاً من ألّا أهرب ههه- ونقلاني إلى فرع الأمن العسكري في حمص.

خلال عملية النقل تحدّثوا بين بعضهم أحاديث عادية، وكأنهم في رحلة أو مشوار، ووجّهوا لي الشتائم بين الحين والآخر. أنا المطمش العينين المكبّل، والذي دُفِنَ رأسهُ بين قدميه، شعرت بأننا وصلنا إلى الحي الذي أسكن فيه، نحن نسكن بالقرب من فرع الأمن العسكري، وكنت أسمع أصوات أهل الحي من حولي، لم يكن الوقت متأخّراً لا، كانت الساعة حوالي الثانية عشرة ظهراً.. "هل يعلم أحدهم أنني في هذه السيارة؟ هل رآني أحد؟ أنقذوني، فليهاجم أحدكم السيارة، قولوا لهم إنني أنتمي إلى هذا الشعب، أنقذوني..". ما أحقر هذا الشعور، أن تكون في أكثر حالات الذلّ في حياتك وأنت بين جميع من تحبّ، ولا أحد يعلم أصلاً بوجودك حينها. ما أحقر هذا العالم.

وصلنا الفرع وأدخلوني، تمَّ اقتيادي إلى غرفة الأمانات، حيث أخذوا مني النقود وشتموني قائلين "500 ليرة حقّ أكلك وشربك عنا يا ابن الشرموطة"، ومن ثم، إلى غرفة الاستقبال..

خلعت ثيابي كلها، أخدت وضعية القرفصاء مراراً وتكراراً حتى أمرني العسكري بالتوقف -هذا البروتوكول المتّبع ليتأكدوا من أن السجين لا يخبئ شيئاً داخل جسمه- فتح الباب ورماني في الداخل.

غرفةٌ تقدر مساحتها بـ 25 متراً تحتوي على أكثر من 70 شخصاً مكدّسين فوق بعضهم البعض، يتبادلون الأحاديث. أكثر تمتمة سمعتها هي "شو عامل؟"، الجميع شبه عارٍ، لأن حرارة المكان مرتفعة جداً، جلست بجانبِ أحدهم وبدأت أقنع نفسي بأنني سأقضي بقية حياتي هنا، بين هؤلاء، إذاً عليّ أن أكف عن التذمر بهذا الشأن، وأن أحاول الاندماج، دعونا نتحدث، لمَ لا نغني؟ ربما علينا أن نبدأ بتكوين الصداقات! هيا بنا!

جلستُ بالقرب من شخص ثلاثيني حسب تقديري فكما الجميع سألني: "شو عامل؟"، وكما العادة أجبت الجميع: "ولا شي"، فردّ لي بكل بساطة: "إذا مانك عامل شي شغلتك بالكتير 60 يوم".

علمتُ بعدها أن هذا المهجع يوضع فيه الوافدين الجدد للفرع، ومن سيتم ترحيلهم إلى أفرع أمنية أخرى، وأن هنالكَ مكاناً آخر مخصّص لمن سيتم التحقيق معهم، فعلاً لم يَطُل الأمر ودخل السجّان ونادى على أسماء من وصلوا باليوم ذاته، وكنتُ أنا من بينهم.

في السجن عندهم، كلّ ما يسعون إليه هو أن يجرّدوك من هويتك كإنسان، ويحاولون بشتى الطرق إذلالك، استعبادك، اغتيال أمنياتك وأحلامك، هذا هو مشروع بشار الأسد في المعتقلات.

في السجن عندهم، كلّ ما يسعون إليه هو أن يجرّدوك من هويتك كإنسان، ويحاولون بشتى الطرق إذلالك، استعبادك، اغتيال أمنياتك وأحلامك، هذا هو مشروع بشار الأسد في المعتقلات.

في طريقنا لمهجع التحقيق، حملنا معنا ماعوناً ضخماً يحتوي على الرزّ وكل ما كنا نسمعه غير الضرب هو التحرّش الجنسي بنا بالألفاظ، كوننا لم نكن *نرتدي* شيئاً سوى لباسنا الداخلي، أسوأ ما قد يشعر به الإنسان حينها.

وصلنا ووضعنا الرزّ في مكان ما طلبوا منا، من ثم أمرونا بأن نقف على الحائط وأخذوا لنا الصور "الفيش" ومن ثم تلقّينا صفعة لكل واحدٍ منّا، قبل اقتيادنا إلى مهجع التحقيق.

فُتِحَ الباب، هنالك عسكري في الداخل، يراقب الجميع، وأبواب مفتوحة على اليمين وأبواب مفتوحة على اليسار، وممر طويل، هذه الأبواب هي منفردات ولكن كل منفردة كانت تحوي أربع أو خمس أشخاص منحشرين بداخلها بشكلٍ لا يصدّق، تلقيت ضربةً على رأسي وسمعت كلمة: "فوت لهون يا عرصا"، دخلت وإذ بثلاثة رجالٍ عمالقة، تبادلنا السلام، والسؤال ذاته: "شو عامل؟".


دخلت وإذ بثلاثة رجالٍ عمالقة، تبادلنا السلام، والسؤال ذاته: "شو عامل؟".

بعد أخذٍ وردّ بيني وبين أبناء جلدتي، هؤلاء السوريون المقهورون الذين يحاولون جاهداً البقاء على قيد الحياة، اكتشفت أنهم من مدينة القصير في ريف حمص، كانوا يخبّئون القليل من الخبز والقليل من الزيتون، عرضوه عليّ: "خود هدول كلهن منشان ما تموت من الجوع"، لم أكن قادراً على الأكل وقلت لهم ربما بعد قليل.

كنا نتبادل وضعيات الجلوس، فالغرفة لا تتسع لجلوسنا جميعاً في ذات الوقت، يجب على اثنين منا الوقوف ليجلس الآخران، سمحوا لي وقتها بالجلوس فوراً، فبدأت بالنظر في وجوه الناس هنا وهناك في الغرف الأخرى، رحّبوا بي! أجل الجميع كان يرحّب بي، ينتابك ذلك الشعور بأن كل من معك هم عائلتك الجديدة، ويرحّبون بمنحك عضوية هذه العائلة ويخبرك أغلبهم بألّا تخاف فمصيرنا كلنا مشترك، وجوه اعتقدت أني أعرفها منذ زمن سابق، وأصبح السؤال بعد ساعة تقريباً من "شو عامل؟" إلى "أنت من وين؟" أو "شو اسمك؟".

في ذلك الوقت كانت الحرية بعيدة عن عينَيّ، وبدأ الليل يأتي، مع أننا لم نكن نعرف الليل من النهار، ولكن كان كل شيء يسير حسب أحاسيسنا.

نام الجميع، منهم من نام وهو واقفٌ حتى، ومنهم من نام وهو ضامم قدميه إلى صدره ليأخذ أقل حيّز يذكر. أما أنا فكنت أحملق بتفاصيل هذا المكان، ما كتب على الحائط، إلى أن طُرق الباب وفتح العسكري واستلم أسماء الناس الذين سيخضعون للتعذيب، ناداهم وكبّل أيديهم وغطى عيونهم ثم دفعهم نحو الخارج، لم تستغرق العملية أكثر من عشر دقائق لتبدأ أصوات صراخهم تُسمع. مع كل صرخة شعرت بأن حجمي تقلّص في مكانه وبدأت أردّد في داخلي: أرجوك يا إلهي، أريد أن أنام. أرجوك يا إلهي، أريد أن أنام. أرجوك يا إلهي، أريد أن أنام.

410 views1 comment

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"