الثورة ليست فكرة.. والفكرة تموت

Updated: Jun 12, 2019

ذات ثورة من الثورات، حصل أن كان الشعب مصدوماً و مرتبكاً أشد الارتباك لهول وقائع الثورة عليه، كان العالم كله يحاربه، و كان يخسر ثورته و ينهار مجتمعه. كل ما كان يقال من باب النصيحة و العبرة يبدو للوهلة الأولى منطقياً لهم، لكن تقاطعه مع عِبَرٍ أخرى كان يزيد الناس حيرة أكثر. قيل يومها "في التأني السلامة و في العجلة الندامة" و قيل أيضاً "خير الأمور أوسطها" و قيل أخيراً "اضرب الحديد و هو حامٍ" و قيل أن الثوار ضاعوا بين هذه الحكمة و تلك. آنذاك، توجب على بعضهم أن يبادر لإبطال هذا التبعثر و الضياع و التوجيه الزائف. فعلاً، بادر البعض و قاموا باتهام هذه الحكم المتضاربة بأنها بمثابة "بروباغاندا العدو" و أنها ابتذالات و "كليشيهات". وصل تجريم "الكليشيهات" السائدة حداً قارب * جريمة الخيانة، و استحق مرددوها عقوبة قاربت عقوبة الإعدام، و أغلِقَت كل المؤسسات التي تولّد الحكم المتضاربة. بدونها، توجب على الناس الآن التركيز على توليد حلٍ حقيقي من الحاضر بلا توجيهٍ من قبل المُثُلِ التي لا تسمن ولا تغني من جوع، مُثُلٍ أتت من الماضي لتعميهم عن الحاضر—فعلياً لتعميهم عن النظر تماماً—مقابل وعدٍ زائف بأن يحصلوا على بصيرة للمستقبل، نجت الثورة لاحقاً، و كان هذا الإجراء مما ساهم بنجاتها.


بالنسبة لي، إن أكثر ما قد يؤرقني في الليل هو أن تُنسى كل مساهماتي التي أردت أن أضيفها للمجتمع السوري و للعالم بأسره، أو أنها إن ذُكرَت فلا تُذكَر إلا بسوء. إنها فوبيا وسواسية بالنسبة لي، و لربما مستعدٌ لأرمي بكل ما أستطيعه لكي أمنع هذا من أن يحصل. إن المُثُلَ المتضاربة قد تقودنا إلى النسيان فعلاً و هذه المقالة هي رمية لي في سبيل الذكران, فيها مجموعة من الاعترافات و التعليقات و الاتهامات بالابتذال و شيء من إعادة القراءة للماضي.. لعل شيئاً يتغير بنا، و يجعلنا نلتفت لحاضرنا أكثر بعيداً عن الزيف.


"الثورة فكرة.. و الفكرة لا تموت.."

منذ صدور فيلم V for Vendetta سادت مقولة منه غدت ابتذالاً ثورياً يقال على جميع الألسن تقريباً "الثورة فكرة.. و الفكرة لا تموت". بغض النظر عن خطأ هذه المقولة تاريخياً و فلسفياً، لكن كيف لثورة أن تكون فقط فكرة؟ لقد سرى هذا الاختزال المثالوي للثورة بشكل بات يبرر غياب السلوك و الفعل عنها. لا أتفاجأ من سريان هذه المقولة في شريحة من الحالمين و المغيبين بالرومانسية الزائدة لتبرير تقاعسهم عن العمل و المثابرة بجهد فيزيائي و عضلي، شريحة تؤمن أن النظام يسقط حقاً إن هم فكروا فقط، فكروا لا إلا، دون ترجمة أفكارهم أفعالاً.


"الثورة فكرة.. و الفكرة لا تموت.."

هل لكم أن تتخيلوا عدد الثورات الفاشلة التي نُسيَت و مُحِقَت تماماً؟ من الصعب حقاً المعرفة بها، و إلا لما سميناها "ثوراتٍ منسية" لكن بمقاربة ألطف للعقل، هل لكم أن تتخيلوا كيف ستُذكَرُ الثورة السورية، إن ذكرت؟


هل لكم أن تتخيلوا عدد الأفكار الفاشلة التي نُسيَت و ماتت أيضاً؟ أستطيع التفكير بمئات الأفكار التي ماتت دون أن يتعاطف معها أحد. ألم تمت الوثنية في مجتمعنا مقارنة بيومٍ كانت به على مستوى الآلهة؟


خطيرة هي هذه المقولة، إن عكسها المنطقي يملك ترتبات لا طائل منها. يقولون الثورة فكرة، ماذا إن لم تكن فكرة؟ ماذا إن كانت أيضاً عملاً و وجوداً عضلياً فيزيائياً؟ ألا تظل ثورة؟.. لأن تلك المقولة يترتب منها نفي الثورة تحت هذه الحالة، و العقل البشري ينفي على هذا الشكل بشكل غير واعٍ في أغلب الأحيان:

- إنها ثورة إذاً هي فكرة

نتيجة مترتبة: ليست فكرة إذاً هي ليست ثورة

و يا لها من نتيجة! لنعي شيئاً، لنعي أن الفكرة تموت، لنعي أن مجرد الأفكار دون وجودك الحاضر الفيزيائي لا يجعل من الثورةِ ثورةً، و لنتفق أن الثورة ليست فكرة فقط. من المهم جداً أن نحدد بكل جدية أن الثورة هي فكرٌ و فعلٌ معاً، فهذا يحميها أكثر من التفنيد و النقد. أي اختزال أو ميول لاختزال الثورة يجعلها عرضة لمساءلة منطقية و فقدانٍ لمعناها و ضعفٌ لبنيتها.

و لنفرض أن الثورة لا تموت حقاً، و أنها خالدة.. لكنكم نسيتم أن من يكتب التاريخ هو المنتصر، كيف سنُذكَرُ عندها؟.. يا له من ظلم للثورات كلها، يا له من ظلم لثورتنا.


العفوية الثورية لم تكفي لإسقاط النظام، بل بعد وقتٍ باتت تضر الثورة و تضعفها.

"يامو يا يامو يامو يا يامو... بشار الأسد خلصت أيامو..."

آه من سذاجتنا البريئة، هي بضعة أيام معدودة و يسقط، لكن اكتشفنا أننا مخطئون. لنتفق أيضاً أن إسقاط النظام ليس سهلاً، علينا أن نعي أن النظام السوري صعب الإسقاط. نحن نحارب فرعوناً لكنه هذه المرة لم يغرق في البحر.. فرعوناً ناجحاً.

العفوية الثورية لم تكفي لإسقاط النظام، بل بعد وقتٍ باتت تضر الثورة و تضعفها. نعم، السوريون يحتفلون بـ"عفوية" الثورة بمن فيهم أنا، و نتريب من العمل المؤسساتي الثوري و التنظيمي و الهيكلي. لكن حالياً يجب أن يحصل العكس، المساهمات و الثقة الأفضل يجب أن تصب في المؤسسات و التخطيط و الاستراتيجية العقلانية، و التريب يجب أن يكون من "الحراكات العفوية" المستعدة لتشذ عن الخط التي بنته الثورة و تضعف بنيتها.


"إخلاصنا خلاصنا"

من المُثُل الضبابية جداً، لا يدرك المرء ما هو الإخلاص المنشود، أمقصود التدين الزائد؟ و هو تفسيرٌ ساد لفترة من الزمن، و أثبت فشله أيما إثبات. يُذكر أن من اعتنق هذا التفسير لا يزال حتى اليوم موجوداً يشتم أبناء مجتمعه الذين ثاروا معه قائلاً "لم يكن قلبكم لله بما يكفي" و يا له من أحمق. لا يزال يؤمن أن الغلو في التدين هو ما سيأتيه بالنصر، بينما هو لا يستطيع أن ينتصر لقرية أو قريتين في الشمال الشرقي للجنوب الغربي لمحافظة إدلب. تراهم نفسهم ضبابيين ملثمين بمقدار ضبابية هذا الشعار، يحبون الرايات السود جداً، راية العماء و الظلام.


و إن كان التفسير الآخر للشعار هو "الإخلاص لمبادئ الثورة" فلم يكن هناك مبادئ مكتوبة معلنة للثورة، كانت هناك مبادئ شبه ضبابية تعوم في الأثير الاجتماعي، و كانت هناك حرية لاجتزائها و إعادة قولبتها، و من يريد أن يُخلِصَ لمبادئ الثورة و يحملها حتى نهايتها كان عليه أن يكون ذكياً كفاية ليستنتج هذه المبادئ أو ليقتنصها من ذاك الأثير. و ليس كل الناس على هذا المستوى أو ممن يملكون الوقت و الجهد الفكري لتحقيق هذه المهمة، المبادئ الثورية كان يجب أن تصاغ و توجه بوضوح لعامة الناس مع مراعاة الحد الأدنى من وقتهم و رغبتهم في التفكير.


سُمِح للثورة السورية بشكل عام بأن تُبقِيَ على ضبابية بعض التعاريف، وهو خطأ بالغ، سُمِح لها بإخفاء أيديولوجيتها المدنية في سبيل شمل من لا يؤمن بالمدنية.

سُمِح للثورة السورية بشكل عام بأن تُبقِيَ على ضبابية بعض التعاريف، وهو خطأ بالغ. سُمِح لها بإخفاء أيديولوجيتها المدنية في سبيل شمل من لا يؤمن بالمدنية، و هذا خطأٌ لم يكن بالغاً فقط، بل كان قاتلاً. و غدا "تقصيرنا" و "قلة إخلاصنا" كليشة من تلكم الكليشات التي تستخدم لتكسير مقاديف شعبٍ تعبأ بالكامل بلحظة من اللحظات في مواجهة دبابات و مدفعيات.


إن هذه الكليشة ليست إلا تبريراً تستخدمه الفصائل المتشرذمة عند فشلها لأن الشعب لم يلحقها و يتعبأ خلفها و يعتنق أيديولوجيتها. تظهر الكليشة بتجليات مختلفة أخرى "الشعب لسا ما واعي ليعمل ثورة" أو "الشعب لسا ما جاهز لثورة" و لا تختلف كثيراً عن مقولة المؤيدين "الشعب لسا ما جاهز لتغيير النظام" هذه الكليشة منتشرة إذن على مدى الطيف الإسلامي/علماني.


"واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد.."

الشعب السوري ليس واحداً، إنه اثنين على الأقل، هناك المؤيد و هناك المعارض. عدم الفصل بينهما سيحفزُ فصلاً أوتوماتيكياً سيأتي و يقوم به أناس آخرون غير محسوبين على الثورة. في انفجار عنيف كالثورة، يحتاج الناس ليقولوا عن جماعة ما أنها "آخر". إنه فراغ ذهني و معنوي يجب ملؤه، و إن لم يقم الثوار بتعريف هذا "الآخر" بوضوح، فستختلف وجهات النظر حول من هو "الآخر" هذا، من هو العدو! فستراهم تارة يقولون العلويين، تارة يقولون كل من ليس سنياً، تارة يقولون كل من لا يؤمن بفيدراليةٍ سورية قائمة على التوزع الإثني.. إلخ. و سيغدو "واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد.." شعاراً منسياً لم يضر بأحدٍ إلا بالحملة الفعليين لشعلة الثورة.

فلسفة النظام الناجحة بجدارة كانت "اثنان اثنان اثنان.. الشعب السوري اثنان" هناك المؤيد و المعارض فعلاً، بالنسبة للنظام، أنت إما معي أو ضدي.

كما أنه لا يجب تطمين العدو أننا "لا زلنا شعباً و قلباً واحداً". العدو عدو، إنه الآخر. من رفضوا الدعوة للانضمام إلى الثورة هم الأعداء، المؤيدون هم مجرمون باليد و الكلام، و حديثاً الحياديون مجرمون بالصمت، العداوة يجب أن تكون واضحة و لا يجب أن يُخشى من إعلانها.


لاحظ أن فلسفة النظام الناجحة بجدارة كانت "اثنان اثنان اثنان.. الشعب السوري اثنان" هناك المؤيد و المعارض فعلاً. بالنسبة للنظام، أنت إما معي أو ضدي. و كانت هذه أداة فعالة في شد جمهوره لطرفه، استطاع تعريف عينته المعادية و عينته المناصرة بوضوح، و هو ما لم نقم به نحن.


"ثوري.. فالثورة أنثى"

لا، الثورة يجب أن تكون بلا جنس. ثورة الحرية هي مثل الحرية، عمياء لكل شيء، إنها لا تشعر سوى بالوطنية و العدل، و لا ترى شكلك أم لونك أم إذا ما كان في وسطك نتوء أو حفرة. الثورة ليست سياساتِ هوية، الثورة عمياء عن هوية ولِدتَ بها بالوراثة و ليست مجبرة أن تقدّر أياً من هذه الهويات. الأنثى الثائرة ليست أحق من الذكر الثائر، و الكردي الثائر ليس أحق من التركماني الثائر، و الكردية الأنثى الثائرة ليست ميغا mega ثائرة. أنتَ أنتَ بمقدار ما تساهم للثورة فقط، و أي شيء آخر يكون بمثابة تصنيفٍ لامتيازاتٍ غير مُستَحَقة هي بمقام الإقطاعية و أخواتها.


الثورة لن تتقدم أو تتأخر أو تتغير إن كانت أنثى—ولا إن كانت ذكراً، هذه صفة فارغة (برأيي على الأقل). "الثورة عادلة" تلك صفة حقيقية ستغيّر المعنى إن عُكِسَت لـ "الثورة ظالمة". "الثورة للجميع" صفة حقيقية ستغيّر المعنى إن عُكست لـ "ثورة لفرد/فصيل/شريحة معينة". "الثورة انتصرت" تلك صفة حقيقية ستغير المعنى إن عُكست لـ "ثورة فشلت".


إن مناصرة المجتمع النسائي مربكة اليوم، مثل ما الثورة هي نفسها مرتبكة. اللوبي النسوي كان سيئاً و شهد ميولاً واسعة لمغازلة النظام السوري (و غيره من الأنظمة القمعية) و هذه ليست صدفة إن دقق المرء في الأيديولوجية النسوية. الخبر السار أنه يمكنك أن تناصر المرأة دون أن تكون نسوياً، و لا يحق للنسوية احتكار هذا الحق و هذه الرغبة، النسوية تخلط بين عداء المجتمع و عداء السياسة، الثورة السورية تعادي كل النظام السياسي، النسوية تعادي بُنَى المجتمع و بعضاً من النظام السياسي. وهذان هدفان مختلفان يتعارضان خصيصاً عندما يغدو الحديث حول عداء المجتمع، إذ يبلغ التشارك في الهدف بين الثورة السورية و النسوية حده الأدنى، و يضع النسوية في خانة أقرب للنظام.


إن أكثر ما قد يسيء لأي قضية اليوم، بما فيها مناصرة المجتمع النسائي، هي (1) اعتناق الكليشيهات الفارغة التي تجعل من معتنقيها أسطوانة مشروخة، و أيضاً (2) اعتناق تشكيل أو أيديولوجيا فاشلة لن تودي بشيء سوى للهزيمة و توليد ردة فعل مضادة تزيد الأمر سوءاً.


و لنفرض للحظة أن الثورة أنثى حقاً و لنعكسها منطقياً: إن لم تكن أنثى فهي ليست ثورة؟ أهذا احتكار آخر من بين كل الاحتكارات اللامنتهية التي مُنيَت بها ثورتنا العظيمة؟


لاحظ أن هناك ثلاثة خيارات لتجنيس الثورة: أنثى، لا جنس لها، ذكر. (و قد يضيف البعض "خنثى" لكن لا أظن أن تلك الصفة ستملك شعبية). يترتب على السابق أن كل ما هو ليس أنثى = بدون جنس + ذكر.


و هذا يجعل رؤيتي لثورة بلا جنس أنها.. ليست ثورة! أي تم نفي مساهمتي و وجودي و الشريحة التي أمثلها و رؤيتي الثورية تماماً، بل لربما أكون خائناً للثورة "الأنثى" تلك.


على المرء أن يعي ما يقول و ما يترتب على قوله.. و أن يخجل من أن يكون عالة على الثورة.. و كفى ابتذالاً..


كفى ابتذالاً

فقط انظر للواقع و الحاضر، حاول أن تتجاهل ما تلقنته... أنت تموت و تخسر، أنا أموت و أخسر، و ثورتنا تنحسر نحو الهزيمة. إن لم نستطع التخلص من عبء نكران هذا الأمر فلا وسيلة للنهوض و حل مشكلتنا.


نحن نحتاج للناس حاضرين على الأرض، نحتاج حضورهم و وعيهم الكامل بالحاضر و تَرَيُبَهُمِ المطلق من الخسارة و تعبئتهم الشاملة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه. أسوأ شيء هو أن يهجر الناس الجيدون قضيتهم و يسمحون للناس السيئين بملئ فراغهم.

أي إنكار للخسارة و الهزيمة هو وهم و خيال، و عادة ما يكون سلوك شخصٍ يعي خسارته هو واحد من اثنين، إما أن يقرر القعود و الاستسلام، أو أن يتعبأ تعبئة كاملة و يشهد استنفاراً لكافة موارده المعنوية و المادية لإنقاذ قضيته و كبح الانهيار، و أنا أفضّل الأخير.


من الفلسفة إلى علم النفس، من التفسيرات المثالوية الفلسفية إلى التفسيرات البيولوجية.. الفكرة تموت و تُنسى و تنهزم و تُمحَق. لا يوجد اليوم من سينقذك من هذا الموت إلا شجاعتك لرفض المبتذل و المحاولة بجمع الشتات الثوري و شد الأيادي و التعاون من أجل الوصول إلى صيغة متماسكة واضحة و قابلة للتطبيق، تجعل من وجودك في عالم الأفكار وجوداً قوياً جازماً في عالم الواقع، وقتها تستحق لربما أن تقول عن نفسك "أنا لسا موجود".

317 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"