نورا الجيزاوي: الثورة أعادت تعريف وخلق النسوية

كانت نورا الجيزاوي تنتظر الثورة السورية قبل أن تبدأ ولذلك لم تترك مجالًا ثوريًا يعتب عليها إلا ودخلته: التخطيط والتكتيك والتظاهر والإعلام والإغاثة. ثم المجال السياسي. تعرضت نورا للاعتقال من النظام والهجوم من بعض أعدائه ومحاولات التهميش من قبل بعض معارضيه.


تتابع نورا اليوم نشاطها الثوري من كندا وتتابع دراساتها العليا هناك. تربي طفلتها الصغيرة نايا وتدير مشروع "نقطة بداية".


حاولت نورا وزميلاتها العمل لرفع نسبة مشاركة المرأة في الإئتلاف ليصطدمنّ بمعارضة شديدة

كيف بدأ انخراطك بالحراك السياسي؟

تزامنت دراستي الجامعية مع ازدهار الحركة السياسية والحقوقية في البلاد، كنت وأصدقائي نتشارك القراءة والنقاشات وإثارة الأسئلة السياسية حول البلد والمجتمع. لم نكن نستطيع أن نتحدث عن القمع والجهة الواقفة خلفه، فكنا نقتصر على الحديث عن آثاره وانعكاساتها على المجتمع.


بدأت أتعرف على سوريا جديدة، حيث بدأ الانفتاح في الوسط الأدبي، ثم صرت أسمع عن المحاكمات والاعتقالات من الصحفيين والنشطاء الذين التقيت بهم ضمن الوسط الأدبي وكانوا أعضاء أو مواكبين لإعلان دمشق، وكنت أسمع منهم عن قضايا الاعتقال التعسفي والمحاكمات الشكلية التي خضع لها معتقلو الرأي إثر إعلان دمشق. الأدب كان مفتاحي للسياسة.


ما النشاط الذي تقوم به نورا اليوم على الصعيد الشخصي والعام ؟

أتابع دراستي في جامعة تورنتو في كندا، أحضّر الآن للماجستير في العلاقات الدولية، وأربي ابنتي الصغيرة نايا. كما أدير مشروع "نقطة بداية" المشروع الذي ولد في حمص وأعلن عن نفسه بعد أن اشتد عوده، الناس كما تعرفون لا يحبون الكلام وإنما يحبون أن يروا النتائج. نقطة بداية تعمل على الدعم النفسي الاجتماعي والعدالة، وبناء القدرات والمناصرة ضمن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ويشمل العمل أيضاً أنشطة مع الشباب تهدف إلى زيادة الوعي في حقوق الإنسان والعدالة والمحاسبة.

"نقطة بداية" المشروع الذي ولد في حمص وأعلن عن نفسه بعد أن اشتد عوده

سبب اختيارك هذا الفرع بالذات على الرغم من دراستك اللغة العربية في سوريا؟

كنت أطمح إلى دراسة العلوم السياسة منذ أيام الإعدادية، فاجأني أثناء التسجيل على المفاضلة وجود شرط لم أكن أعرف عنه، وهو أن يكون المرء عضوًا فاعلًا في حزب البعث! تحطم حلمي. ومن شدة إحباطي لم أنتبه أني وضعت اللغة العربية كرغبة أولى قبل الإنكليزية، لكن مع الوقت بدأ حبي للفرع يتعمق وبدأت أحاول إيجاد صلات هنا وهناك مع السياسة، مرة عن طريق الأوراق البحثية الصغيرة التي نكتبها وأحياناً عن طريق الجدالات الطويلة، طبعاً لم تكن التكلفة رخيصة.


كيف تصفين شعورك في أول مرة تم اعتقالك للاستجواب فيها؟

اعتقلت مرتين إحداهن كانت على خلفية ذكر أن زكريا تامر استخدام رمز النمر في قصصه بدل الأسد لأنه لم يجرؤ على ذلك بسبب القمع وانعدام حرية التعبير في سوريا، وشى بي أحد زملاء الدراسة وتم اعتقالي واستجوابي، والأخرى كانت عندما ضربت رجل أمن لأنه حاول التحرش بي. خلال الثورة تم اعتقالي مرة أخرى ولم أتمكن من مناقشة أطروحة الماجستير بسبب ذلك.

كسوريين كل ما نعرفه ونستطيع تشكيله في عقلنا عن الدولة الأمنية معتمد على الحس والحدس والمراقبة، كل ما كنت أعرفه ما قبل الثورة أن الدولة مخيفة ومواجهتها غير محمودة العواقب.

في حارتنا كان بعض الأطفال يقولون أن آباءهم مسافرين، لكن أي أب يسافر عشر سنوات دون أن يمر ليلقي التحية ولو مرة واحدة؟ كبرت أيضاً وأنا أسمع أن جارة عائلة جدي مخطوبة وتنتظر خطيبها، عاد الرجل لكن بلا قدرة على الإبصار، سنوات مرت وعيناه لا تبصران في حضور ضوء أشد من "النواصة". لذلك عندما تم اقتيادي كان الرعب هو كل ما أشعر به، الرعب من الغول المجهول.

اعتقلت مرتين إحداهن كانت على خلفية ذكر أن زكريا تامر استخدام رمز النمر في قصصه بدل الأسد لأنه لم يجرؤ على ذلك بسبب القمع وانعدام حرية التعبير في سوريا، وشى بي أحد زملاء الدراسة وتم اعتقالي واستجوابي، والأخرى كانت عندما ضربت رجل أمن لأنه حاول التحرش بي. خلال الثورة تم اعتقالي مرة أخرى ولم أتمكن من مناقشة أطروحة الماجستير بسبب ذلك.

ما رأيك بمشاركة النساء في الثورة؟ والنسوية الثورية بشكل عام؟

بالنظر إلى المجتمع يمكننا أن نلاحظ ارتباكًا في تعامله مع المرأة، وإذا حاولت تحليل نظرة المجتمع للمرأة تاريخياً أستطيع أن أفهم سبب تقييد حرية المرأة في المجتمع، أفهم ولكن لا أبرر، أحياناً أربط الموضوع بأحداث الثمانينات بما فيها من اعتداء على النساء والتغاضي عن الجرم ومسببه. لكن التمييز ضد المرأة أكبر من المجتمع إذ إنه موجود في بنية الدولة وصلب قوانينها، الثورة بعد ذلك كسرت الصور النمطية والأدوار الجاهزة بضربة واحدة.


في إحدى فعاليات الاتحاد الأوروبي لتمكين المرأة

برأيي أن الثورة أعادت تعريف وخلق النسوية، لأن الثورة غيرت نظرة المرأة حول نفسها وجعلتها مدركة أنها متساوية مع الرجل وتقف معه في الخط نفسه، وأنها جزء أساسي من الحراك السياسي ولديها موقف مباشر وصريح فيه. أنا كما كل النساء اللواتي عملت معهن في الحراك لم نكن نشعر يومًا أننا أقل من الرجال أبدًا، لم يقل لي أحد "اسكتي أنتِ بنت" ضمن الثورة، بل كنا على ساحة واحدة معاً متساويين. لكن ما أراه بعين ناقدة اليوم هو محاولات تحييد النساء عن المشاركة السياسية الفاعلة والكثير من مجالات النشاط في الشأن العام وتولي مهام قيادية ومناصب عليا، هذا التحييد الذي تصاعدت حدته مع اتساع هيمنة السلطة العسكرية، ثم على الصعيد الدولي بدأت موجة تحاول تجريد المرأة من موققها السياسي، واختصار دورها إلى بانية "سلام" وحمامة وئام.

ما أراه بعين ناقدة اليوم هو محاولات تحييد النساء عن المشاركة السياسية الفاعلة والكثير من مجالات النشاط في الشأن العام وتولي مهام قيادية ومناصب عليا

ما المكان الأفضل للمرأة الذي تستطيع أن تكون فاعلة في الحراك حسب رؤيتك، باعتبار أنك خضت في الثورة عدة مجالات (سياسياً ومدنياً)؟

المكان الأفضل للمرأة هو حيث ترى المرأة نفسها وحيث تختار أن تكون. المهم أن تعرف أن الجانب الأنثوي فيها لا يعيق تحركها، لا يمكنني الحكم على خيارات النساء ولكن المرأة التي تؤمن بقدراتها تعرف مكانها الأفضل تماماً.

بالنسبة لي شخصياً أرى أن السياسة هي المكان الأكثر قدرة على تغيير مفردات المعادلة وإحداث فارق، ولكني لا أقلل من قيمة أي مكان آخر قد تشغله امرأة واعية لما تريده وقادرة على فعله.


لم تشعري يومًا في الثورة بأنك أقل من الرجل، كيف كان الأمر في العمل السياسي في الائتلاف؟

كنت مستعدة دائماً لأحارب حتى أخرج من النمطية، كان الدور المرسوم يعيقني، تعرضت للكثير من القمع، لأن النظام الداخلي للائتلاف كتب بطريقة ذكورية، وأن المرأة يجب أن تكون ديكوراً كي يرى الغرب أن المعارضة تعنى بالكوتا، وإن منحوها بعض المهام، وأؤكد على مصطلح منحوها. فيجب أن تكون هذه المهام محصورة بالعمل الإغاثي وقضايا المرأة والطفل، حتى في الحكومة المؤقتة نمطوا وجود المرأة وحصروه في وزارة الثقافة والأسرة. وعلى صعيد آخر كان الأمر بالنسبة لي مضاعفاً لأني كنت أخوض معركة أخرى بجانب معركة المرأة وهي معركة جيل الشباب في مقارعة الأجيال الأكبر، ومعركة أخرى هي معركة الثورة (كحركة عابرة للأحزاب) ضد الأحزاب السياسية التقليدية.


دارت نقاشات مطولة حول تعديل النظام الداخلي للائتلاف، وحاولنا كعضوات في الهيئة السياسية آنذاك رفع نسبة مشاركة المرأة في الائتلاف والمناصب القيادية، لنصطدم بحالة من الرفض الشديد، لا سيما حينما امتد النقاش إلى المناصب القيادية وخرجوا علينا بالتفسير القانوني للنظام الداخلي يوم التأسيس وهو أن منح منصب نائب رئيس للمرأة يمنع العضوات من حق الترشح لمناصب قيادية أخرى؛ الرئاسة والأمانة العامة.. ومرت التعديلات دون قدرتنا على تغيير هذه البنود، ثم جرت جولات طويلة من المفاوضات حتى مر التصويت على رفع نسبة مشاركة المرأة.

حاولنا كعضوات في الهيئة السياسية آنذاك رفع نسبة مشاركة المرأة في الائتلاف والمناصب القيادية، لنصطدم بحالة من الرفض الشديد،

دومًا كنت في حالة حرب مع صور المجتمع النمطية، وكثيرًا ما حاولوا تهميشي، لكني كنت أرفض دائماً، وكان الأمر مستنزفًا بشكل كبير لأنه كان نضالاً مستمرًا على كل الجبهات.


الكثير من النساء يتوقفن عن النضال ويخترن منعطف اليمين الآمن عندما يشعرن بصعوبة المسير، كيف يمكن للمرأة أن تتجاوز إغراء الحياة الوادعة التي تستند فيها على كتف زوج قوي يحميها؟ كيف تتجاهل المنعطف وتكمل الدرب؟

للأسف المنعطف الذي تختاره النساء ليس آمنًا، لم يعد كذلك. كثير من النساء في سوريا وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة الواقع وتحمل المسؤولية، الأب اعتقل والأخ هاجر والابن استشهد، ما زاد مأساة النساء هو كونهن غير مؤهلات لتولي زمام المسؤولية، ضعف خبرتهن العملية وسوء التعليم .

طبعاً لا يمكننا لوم النساء وحدهن على هذا المصير كما لا يمكننا لوم المجتمع وحده، فالقوانين لا تعطي المرأة حقوقها ولا تمنحها الرعاية اللازمة وأحقية التعليم بطريقة مريحة ومتناسبة معها .


تقريرنا الأخير من إدلب تحدث عن تقييد كبير لحرية المرأة هناك. هل يمكن للثورة أن تكون سلطوية كما النظام الذي ثارت عليه؟

ببساطة سلطات الأمر الواقع المتواجدة في إدلب ليست منبثقة من الثورة، الحالة السيئة في إدلب سببها أن العسكري باختلاف أيديولوجياته ومشاربه وضع نفسه بالقوة فوق المدني، العسكر طموحه مطلق بالسلطة ولم يكن هناك قوة مدنية تحمي المدنيين العزل وتؤمن البيئة المواتية لنشاط المجتمع المدني. ومن المؤسف أنه مع بداية ظهور الحراك المسلح وبدء تحقيقه تقدماً ضد قوات النظام، بدأ تحقير الحراك السلمي والناشطين وحتى علم الثورة، وتعاظمت هيمنة القوى العسكرية، حائلة دون قدرة المدنيين على خلق توازن ولا حتى نظام حوكمة ينظم العلاقات ويحفظ الحقوق.

سلطات الأمر الواقع المتواجدة في إدلب ليست منبثقة من الثورة

هل كان تمثيل المعارضة كافياً للثورة؟

يجب أن نفرق فالثورة تختلف عن المعارضة، المعارضة خسرت المعركة الحربية نعم، لكن من المسيء أن نرهن الثورة وشرعيتها بالسيطرة على الأراضي وبالسلاح. الثورة لا تحددها أرض ولا جغرافية.


أمام جدارية القاعة الداخليّة لمجلس الأمن (للفنان النرويجي بير كروغ) والتي يتوسطها، من الميثولوجيا الشرقيّة القديمة، طائر الفينيق، الطائر الذي كلما قتلوه عاد حيًا من رماده، رفعت نورا علم الثورة.. وشارة النصر

أنتِ اليوم أم و طالبة ماجستير ورئيس مجلس إدارة نقطة بداية ، ما الشيء الذي تحرصين أن تربي عليه ابنتك نايا في كندا؟

الإحساس بالآخرين! في عيد ميلادها الأول كانت هديتها حفلة لأطفال إدلب مع فريق ملهم التطوعي. عندما تكبر سأتحدث لها عن هذه الذكرى، سأشرح لها كيف شاركت الهدايا والفرح مع أطفال لا تعرفهم،  القيم التي يمكننا تعليمها للأطفال لا تأتي بالكلام وحده، بل بخلقها فيهم عن طريق الفعل فهو الذي يستطيع الطفل إدراكه وفهمه.


سأحرص على تعليمها اللغة العربية أيضاً لأن العامل الأساسي لصنع الثقافة هو اللغة، وجعلها تدرك أنها تنتمي للبلد البعيد الذي أتى منه والداها، وللثورة التي نحملها بقيمنا ومبادئنا، أحرص أن تعرف أن العلم الأخضر الذي يغطي الجدار في المنزل هو علم بلادها وقضية أبويها.


سأعلمها أيضاً أن لا تسكت عن حقها ولا تقبل بالظلم.


©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"