عن الفن و الفنان في الثورة عامة السورية خاصة


الفن، الفنان و الثورة

أعتبر أن الفن مظهر متجذر من مظاهر الثورة، و يرى في الثورة فرصةً هي الأمثل لإظهار نفسه، و إعادة ابتكار ذاته، و استعراض قدرته على المشاركة والإفادة والمساهمة.  الثائرون هم هناك في الشارع معبؤون أصلاً، ينتظرون بفارغ الصبر رؤية عمل سامٍ يروي عطشهم و نهمهم لجمالياتٍ ثورية ويعوض لهم التلوث البصري أم السمعي الذي سببته آلات القمع عبر سنين طويلة، و على الفن أن يستغل لحظة الثورة كي يقدّم أفضل ما لديه من طاقات مكنونة.


الفن في الثورة، هو لأول مرة ذلك الفن الخلّاق الموجه للجميع والذي يحق للجميع أن يختبره. الشعب للمرة الأولى يرى عملاً يُقدَّم له، لا للأغنياء أو للطبقة المحدودة القادرة والراغبة على تذوق الفن، ولا ذلك الفن الموجهُ تملّقاً لدغدغة مشاعر شريحة ما دون الأخرى طمعاً في جائزة أو مكافأة.


لأول مرة يشعر الشعب جمعاً بالإلهام الذي تولّده اللوحة الفنية، و يقدّر الطاقة الخلّاقة الكامنة وراءه. الكل يتوقع أن يعود للفن ذاك من أجل أن يستلهم منه في أيام الكسرات و الظلام. حقّاً، يغدو الدور الأساسي للفن هو الإلهام الثوري و المعنوي.

فاغنر كان من أهم ثائري ربيع الأمم عام 1848، و بعد مشاركته موجة الثورات تلك كتب أوبرالياته و لحّنها،

في الحقيقة، الفن كان في معظم الأحيان هناك مع الثورة، بل إن أروع درجات الفن لا تُقدّر إلا إن علمنا أنها أتت بإلهام مباشر من الثورة. ريخارد فاغنر كان من أهم ثائري ربيع الأمم عام 1848، و بعد مشاركته موجة الثورات تلك كتب أوبرالياته و لحّنها، و يقال أنه صرف 10 سنين من حياته و هو يقوم بذلك، مهدياً هذا النتاج الدقيق و “المثالي” للمبادئ الوطنية التي ثار لأجلها. السيمفونية البطولية لبيتهوفن كانت أساساً إهداءاً لنابليون بونابارت، الذي ظن به بيتهوفن أنه التمثيل الحقيقي لمبادئ الثورة الفرنسية في الديمقراطية ومعاداة الملكية (لاحقاً غير بيتهوفن إهداءه عندما نصب نابليون نفسه امبراطوراً). في السيمفونية التاسعة، يقتبس بيتهوفن مباشرة من ألحان الثورة الفرنسية. جاك لوي دافيد الفرنسي كانت لوحاته تعلق في برلمان الثورة الفرنسية لإلهام النواب. أسّس الأخير لمدرسة فنية كاملة أثرت على كل أوروبا اللاحقة. إيغن ديلاكروا فيما بعد رسم ليبرتي وهي تقود الثوار الفرنسيين في ثورة 1830. وإبان موجة الثورات الشيوعية ظهر الفن الطليعي والدادا (فن الحقيقة المشوهة) و الذي دفع جزئياً لإحياء الغرافيتي الحديثة.


الغرافيتي بالذات لها عمق تاريخي في سوريا، فاللغة الصفائية (لغة سامية انتقالية سبقت العربية) هي لغة لا نعرف أنها كُتبت إلا نحتاً على الأحجار، تحديداً أحجار منطقة جبال الصفا البازلتية في ريف السويداء (و منها أتى إسمها)، بكلمات أخرى: كغرافيتي.

جاك لوي دافيد – قسم ملعب التنس في الثورة الفرنسية

ليبرتي تقود الشعب - إيغن ديلاكروا

راول هاوزمان أحد رواد الدادا – روح العصر / الرأس الميكانيكي

الغرافيتي الصفائية

و إن عدنا لندرك أصل الفن، فنرى أنه وُجِدَ ليكون نقداً اجتماعياً بنّاءً، كان فعلياً وسيلة شرعنها المجتمع لنقد نفسه بشكل لطيفٍ ومسلٍ ويفهمه الجميع عند السلم. و في أيام الحرب و الثورات، يتحول الفن لأداة تنتقد العدو السياسي، لأداة تعكس مبادئ الثورة (أو أسباب العداوة). حقّاً، كل عمل فني تنتجه أطراف النزاع هو جزء من حرب البروباغاندا بينهم، و العمل “الفني” الذي يضر القضية مهماً كان مخرجه سيعمل عمل بروباغاندا العدو. في هذه الأوقات بالذات، الفن هو حليف المجتمع في سبيل نصرة قضيته، هو الكتف الذي يرتكي عليه المجتمع حقاً. كثيراً ما ينظر من شتى الأطراف لفن ينقد المجتمع—لا الظروف المدمرة أو السياسة التي تحيط به—في هذه الأيام الحالكة على أنه فنٌ مريب و مثير للجدل و النفور، ناهيك عن فن ينقد المجتمع ليضرّه إذ قد يصل هذا الأخير لمرحلة التخوين.

الفن هو حليف المجتمع في سبيل نصرة قضيته

ما لا يجب على الفنان أن يكون عليه

إن الطبيعة المتحررة للفن تجعله بلا معيار ثوري، و قد يزيد الأمر سوءاً انتشار المعمعة والفوضى وضعف التواصل بين الأطر القريبة من كواليس الثورة و الأطر البعيدة عنها، فينتهي الأمر أحياناً بالبعض إلى منتوجٍ غريبٍ على الثورة نفسها، عملٌ أقل من المتوسط، و أقرب للمبتذل، وأبعد عن السمو وترويج المبادئ الثورية؛ كما لو أن صاحبها غدا... مرتزقاً تخلى عن مبادئ ثورته لدغدغة مشاعر شريحة نخبوية ما، وتوكيد انحيازاتها وصورها النمطية، شريحة لا تدرك نصف ما يحصل على أرض الواقع... إنه هنا يغدو أقرب للفساد أيضاً، إذ هو محسوب على الثورة، وإن موّل فهو موّل على إسم الثورة، وإن كان له صيتٌ فصيته أنه ابن الثورة... لكن رسالته كانت ضد الثورة. هو خان عهدتها و أمانتها، و طعن بكل من وثق به يوماً... بل و طعن بكل من وثق بالفن يوماً، و ساهم في فقدان الناس إيمانهم بالفن.


الفنّان هو ليس أي شخص يرسم أو يصور أو يكتب أغنية، بل هو مثل المحلل النفسي بالنسبة لقضية ما، وظيفته وجهده هي أن يسبر أغوارها ويكتشف البنى الكامنة والمغمورة والمخفية وراءها وعليه أن يلمسها ليحقق عمقاً ما من رسالته. و هو مثل عالم النفس، يجب أن يستنبئ الصورة الذهنية التي سيكوّنها المتلقي لرسالته الفنية هذه. فإن لم يمس الأسباب الباطنة التي تودي إلى الظاهر فلا يستحق لقب الفنان، هو هاوٍ لربما، لكن قطعاً ليس فنان، فرسالة الفن أعمق من الظاهر، و إلا لكان أي أحد يملك قلماً وورقة يقال عنه فناناً. و إن لم يملك البصيرة لمعرفة الصورة الذهنية التي ستشكلها رسالته فهو أحمق و عالة.


كثيراً ما أقول أن الوجوه دمّرت الثورة، بما فيها الوجوه التي نقول عنها ثورية. الثورة يجب أن تبقى بلا وجه، أو وجهٍ تجريدي يتعالى عن الموجودات، وجه ليبرتي إلهة الحرية مثلاً. الفنان في هذه الأوقات هو من يستلم مسؤولية بناء الصورة التجريدية في ذهنية الناس عن الثورة. في بدايات الثورة السورية، كان هناك ميثاق شرفٍ ثوريٍ غير معلن بين أنجح ثلة من المصورين عرفتها الثورة لربما، ألّا يصور المصور نفسه أبداً حتّى للاستخدام الخاص، الكاميرا موجودة لتصوير ما يحصل للعالم، لا لمغازلة نرجسية الذات، و المصور هناك ليكرس نفسه مطلقاً لهذه الغاية فقط. أما أن نجد “فناناً” يريد خلال الثورة أن يصدّر وجهه، فهذه جناية بحق العُرف الثوري، و جريمة بحق الشرف الفني.

ألّا يصور المصور نفسه أبداً حتّى للاستخدام الخاص، الكاميرا موجودة لتصوير ما يحصل للعالم، لا لمغازلة نرجسية الذات،

و قد يكون أحد أسوء الأمثلة هو ذلك الذي يريد أن يجعل من تجارب شعبه ومآسيه أداة ترفيهية للآخرين، أداة أغلب شعبه سيراها إهانة و غدراً للأمانة.


خاتمة: هل كان ليفعل ذلك؟

ليبرتي إلهة الحرية، هي الوجه التجريدي للثورة الفرنسية و بقيت حتى اليوم لتكون اللوغو الحالي للحكومة الفرنسية

في سياق الصدمة والحرب والثورة، سياقٌ يعمل عمل خامة مهمة لإبراز الفن، هناك سيناريو لمجتمع مصدوم أشد الصدمة، مجتمع هُزم البارحة، ومهزوم اليوم، و يبدو أن مستقبله متجهٌ نحو الهزيمة مرة أخرى. إنه تحت الحصار منذ سنين، و كل الأمم تقصفه و كل الأيديولوجيات تقريباً تتنازع عليه. وبالرغم من أن نصف ديموغرافيته هم من مناطق أخرى غريبة، إلا أنه لم يُظهر زينوفوبيا مقيتة، بل نُبلاً يستحق الإعجاب في إيوائه للغرباء بالرغم من إمكانيته التقليدية و البسيطة..


أتساءل، هل كان لفنان ثوري بطولي أن يستغل طيبة هذا المجتمع مع الضيوف الغرباء و يتنكر بزيّهم و لهجتهم لكي يدس رسالة مقيتة لا تخدم الثورة ولا تخدم المجتمع؟ لكي يتغلغل في بيوتهم و يصورهم وراء ستر جدرانهم؟..


هل كان للشهيد المقدس باسل شحادة أن يفعل هذا؟ من أجل أن نراه في اليوم التالي على منصة الأوسكار مستحقاً تصفيق الأجنبي واستنكار شريحة واسعة من أبناء ثورته؟ هل كان ليتحمل عاتق ردة الفعل الزينوفوبية التي سيقوم بها ذاك المجتمع المُحاصر؟… أجاب باسل عن سؤالي، و استحق جوابه أن يكون خاتمة مقالي:

عمل لوسام الجزائري – باسل شحادة

أحد أعمال بانكسي

“العمل الصادق سيصل إلى جمهوره… سيبحثون عنه، وسيجدونه. لم نعد بحاجة إلى شركات إنتاج وتوزيع في العالم بعد الآن. إذا كان العمل جيداً بما يكفي فسيصل.. أنا لا أعمل لصالح المتاحف! لا تهمني المعارض ولست باحثاً عن المديح النقدي. أريد لعملي أن يكون مليئاً بالحياة وصادقاً من القلب، وأن يصل مباشرة إلى القلوب الصادقة الأخرى، لا إلى نقاد الإنتاج والتوزيع. لا أريد لكل الناس أن يروا أعمالي. كل ما أسعى إليه أن يبحث عن أعمالي أناس يريدون هذه الأعمال. ألم تسمعي عن بانكسي؟ إنه رسام غرافيتي، لكن أعماله لم تمح، بل تقدر ويحتفى بها.”


0 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"