عن استمرارية العمل الثوري: حكاية حاضر وقدسيَة ماضي

Updated: Apr 26, 2019


سعاد الجندي - مخيم اليرموك

معركة الحق والفضيلة قبل أن نصحو كانت مراتب الشرف في هذا العالم متوزعة بالتحايل، الظالمون يتربعون على رأس الهرم، فهم أصحاب الفضيلة العليا وبيدهم يرسمون حدود الحق، القتلة في صف الظالمين ويندرج تحت اسمهم كل حكام العالم، يملون علينا قوانينهم، ودساتيرهم بما يتناسب مع قدرتهم التجريبية على القمع، تكبر وأنت تظن أن صوتك عورة، وأن مطالبتك بالحق كفر، وأن محاولتك لأن تكون موجوداً هي جحد للمعروف يغضب الوالي وزبانيته. هكذا كي يلتصق العار بك حتى دون أن تقدِم على فعله، وتلتصق بجدران الخزي محاولاً أن لا يُصدر ثوبك البالي حفيفاً على جدارهم المتصدع، فالوالي يحب الهدوء، والجلاد يسنَ سكاكينه استعداداً للمجزرة.

تستمر الثورة بتذكرها أم باستحضارها؟ ثمان سنوات، كل سنة نخوض جدل عدم التصديق، نهرب من سيطرة فكرة اليأس ومن كل الحزن الذي امتد في قلبنا دماً، محاولات كثيرة نخوضها لننسى، لنعيش كالآخرين دون ذاكرة بائسة، أو على الأقل دون أن يحكمنا الماضي ويضيعنا المستقبل. السؤال الذي يدور في رأسي دائماً هو هل تستمر الثورة بالتذكر أم بالعمل؟ وهل علينا أن نقرن العمل بجدوى ملموسة كما نحلم؟ لن نملك الأرض من جديد، الحراك السلمي الذي شكلَنا لن يعود حاضراً كما كان، الأمر أقرب إلى المستحيل في هذا الوقت. لو لم نجربه بشكل شخصي سابقاً، لاعتقدنا أنه قصة أسطورية من أحدهم. الحراك العظيم الذي رسمه الشارع السوري في سنواته الأولى ليس حلماً معقداً، ولا غريباً، هو فقط شيء لم يتسنَ لنا لمسه، من يلمس السماء؟ لقد أمطرتنا أملاً وتشربناه حلماً حتى نضج فينا، واحتجنا وقتاً طويلاً لنفهم تماماً أن الحلم لا يأتي بالتحقق، بل بالمثابرة على خلقه، بالعمل لأجله، الثورة ليست فعلاً مضى وانتهى وعلينا الآن أن ننفض عن ظهرنا أثره لنخوض حياة وجدلاً جديدين، الثورة هي الوصمة التي نحملها في قلوبنا وعقولنا وذاكرتنا مثل أبد مضيء لكنه يؤلم. لقد انصهرنا في الماضي تماماً، حتى صار حاضرنا مهمشاً ومستقبلنا ضبابياً، ليس لأن ما مضى كان سهلاً، بل لأنه مضى وحسب، مضى دون أن نؤتى ثماره، ومضينا عنه دون أن نتشبع من وجوده، لقد حدث كل شيء دون أن نمتلك حتى رفاهية استيعابه، ثورة وحرية، ثم قتل وقصف ودمار واعتقال، لقد كنا نحصي نقاط التظاهر حتى صرنا نُعد المجازر، كنا نجهز اللافتات والعبارات وأصبحنا نكتب النعوات بالأصدقاء، لقد عشنا كل شيء دفعة واحدة، وعندما امتلكنا رفاهية الوقت بعيداً عن أرض المعركة بدا لنا كل ما حدث مخيفاً غير قابل للتصديق، وعشنا ما بين الذهول والانكسار عمراً جديداً، فلا نحن ننسى ولا نرى في تذكرنا وبقائنا ما يجدي.

هل علينا أن نكرر عصرنا الذهبي ؟ إن لم يكن تغير الزمن شاهداً في القضية، فعلى الأقل يشهد عليها تطورها، إن بقينا ندور في زاويتنا الجميلة الماضية، لن نفهم معطيات ما حدث، دائماً ما كنا نعود للوراء ربما هرباً أو لعدم إدراك كاف لما يحدث اليوم، ربما لأن الذي يحدث لا يناسبنا، أو لأنه لم يأتِ على مقاسنا كما عملنا السابق. ولكن إدراك المعطيات التي نملكها هو مفتاح القادم، فهم ما جرى يساعد في إدراك ما يجرى وصنع ما سيجري، ليس تبريراً ولكن وضوح أن ما يحدث الآن ينبئ بالفشل يجعل الرغبة بعدم التصديق عندنا ربما أكبر ..

اليأس المهذب يتعامل أغلب أصدقائي مع أمر الثورة بتجاوز تام، فهم يدركون تماماً أن خاصية النسيان معطلة في ذاكرتهم، وأن الكوابيس التي تلاحق أي شاب سوري كافية لتكون ضريبته في حياته الجديدة التي لم يخترها بشكل صحي كامل. يبادلني أغلبهم عبارات الشفقة والحزن "لساك مؤمنة وبتشتغلي للثورة؟" صوتهم الداخلي يبدو حاضراً أكثر، هناك تعب واضح في رغبتهم بالبقاء، يأس من جدوى حضورهم على مسافة آلاف الأمتار عن مهد ولادتهم الأولى ثورياً، برأيهم ما الذي يمكن أن يقدمه صوتك بين كل هذه الملايين؟ لا شيء سيمنح المظلومين والشهداء في أرضنا حق العودة، ويبدو الكلام محض ترف لا يحبذ أصدقائي عيشه بعد سنوات كثيرة من الكلام، عددناها مسبقاً، أصبحت ثمانية!


عن نفسي اتخذت اليأس المطلق قرارًا: اليأس من أن يتحرك لأجلنا العالم، اليأس من أن يقف في صفنا أحد، اليأس من أن يغيروا منهج الموت الذي اتبعوه، اليأس من أن يمنحنا العالم عدلاً ولو عن طريق الخطأ. اليأس هنا ليس انهزامًا، إنه اللاأمل بشيء من الخارج، اللاأمل بحدوث أي تغيير. في حالتي يحميني اليأس من التفاؤل غير المجدي ويدفعني بقسوة وقوة للعمل بما قد ينفع فعلًا، يدفعني لتغيير الواقع أو تخليد الماضي وحفظه من التشويه.

إن لم ننجح في إزالة الديكتاتور فعلينا على الأقل أن لا ندعه يلوث تاريخنا بكذباته، أن لا نترك له الفضاء العام يصول فيه بادعاءاته، أن نبقى صوتاً حقيقياً لذلك الماضي الصافي كي لا يندثر، لكي لا تكون الثورة هي الأسطورة المستحيلة التي لم تجد راوياً يجيد سردها.

نحن نحفظ ماضينا ليُحكى، ونعمل في حاضرنا اليوم لنكون حكاية المستقبل وجزءاً منه، مستقبلٌ نكتبه بأيدينا ونروي فيه الحكاية كما ابتدأت.

0 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"