عن بيروت التي نحب

Updated: Nov 24, 2019

ليس هناك ما هو أسوأ من هذا: أن نشاهد بصمت الموافقة، انهيار الدور الحيوي الذي لعبته مدينة بيروت في منطقة الشرق الأوسط، وتحوّلها، هي الأخرى، لمعقلٍ لأنصار «الخصوصيّة الثقافيّة» و«الهويّات الضيّقة». نحن الذين لم نُشفَ بعد من فواجع حلب والموصل، ولا من تقزيم بغداد ودمشق، ها نحن اليوم، نتبصّر كارثة جديدة، تحيق هذه المرّة بمدينة بيروت.

في معرض التأسيس لبيروت، أودّ أن أذكر على وجه الخصوص ميشال شيحا، فالرجل، كبير منظرّي الكيانيّة اللبنانيّة ومن أئمتها وأحد واضعي دستورها، استجلب النمط الأدبيّ المدعوّ «الرؤى» أو باليونانيّة «الأبّوكليبا»،* حيث الوصف غزير حول المدينة المنتصرة أبدًا، السعيدة حد الامتلاء، «تاجرة الشعوب»، ملّاحيها وحرّاسها وحكمائها وأبطالها من كلّ الأمم، وهداياها تجلب من كلّ بقاع الأرض، إليها يأتي الفقراء طلبًا للرزق، والخائفون بحثًا عن أمان، والأبطال والفنانون نشرًا للجمال؛ ذلك، ما يستطيل حتى الأبد، فتُطبع «السيوف سككًا والرماح مناجل»، إذ لم تعد هناك حاجة، وقد ساد العدل، لأن «ترفع أمّة على أمّة سيفًا» ولا أنّ يتعلّم السكّان «الحرب فيما بعد»، حتى أنّ «الذئب والخاروف» يربضان سويّة، كنايةً ربّما، عن عدلٍ وثروة يغيّران حتى ما هو غريزيّ في حيوانات غير عاقلة.


على تلك السرديّة** وضعت الأُطر ورسمت السياسات للمدينة ودورها: مرفأ التنوّع، مركز التجارة، جسر «الشرق - الغرب»؛ وتحت هذه اليافطة حققت بيروت فعلاً كلّ ما حققته: إليها لجأت رؤوس الأموال الهاربة من موجات التأميم والتفقير في دول البعث وجواره، ونحوها توّجه مثقفون من أربع زوايا القمع للنشر والتعبير، في جامعاتها ومسارحها لم يحضر «الرقيب» لتنميط العرض والمنهاج كما حصل في غيرها، من أسواقها طُلبت السلع والخدمات وتداولت، وفيها تلاقى يسار ويمين، محافظون وتقدميّون، إقطاعيون وبرجواز، وغدت إذّاك إطارًا مرجعيًا «لنا» جميعًا؛ بيروت، بلغة محمود درويش، «خيمتنا الوحيدة» «نجمتنا الوحيدة»، والنجوم تنتمي لكلّ «جمهورها». في أنظمة -بمن فيهم نظام الطوائف اللبنانيّة نفسه- تحافظ حتى الولع على الخصوصيّات الثقافيّة والهويّات الضيّقة، بل إنّ كُبرى مشاكلها تكمن في كيفية التوفيق بين الحفاظ على «الخصوصيّة» ومتطلبات «الحداثة»، كانت بيروت وحدها في «ما-بعد» السجال المتجدد في المنطقة منذ قرنٍ ونصف، والذي أضاع بتجدده فرصًا وحيوات.


في تظاهرة للناشطين في بيروت ضد العنصرية. بعدسة كريم شهيّب

في عصر الشعبويّة والتطرف، تبتعد المدينة عن «روحها»؛ المدينة ومعها الكيان اللبناني في حالة حرجة. أجهزة «الدولة» مشغولة بملاحقة «الديليفري بويز» السوريين في شوارع العاصمة لمنعهم من العمل، البلديات تعلن حظر التجوال للعمّال الأجانب، و«الأمن العام» يسلّم لاجئين لنظام البراميل والمحارق، مناصرو تياراتٍ تدعى «وطنية» يتظاهرون في أوقات الفراغ أمام محال السوريين أو مشغلّيهم، ويطلقون حملاتٍ عن سوريا «التي أصبحت آمنة» (هل سمع أنصار سوريا الآمنة، ببدل «التجنيد» البالغ ثمانية آلاف دولار؟ هذا البدل شرط للسماح للذكور السوريين من عُمري بالعودة للإقامة في سوريا، وإلا جُندنا قسرًا لقتال «الإرهاب». هذا طبعًا، في حال لم تكن أسماؤونا مدرجة على أحد لوائح المطلوبين للسبعة عشر فرعًا أمنيًا). حتى من كان على عداء تاريخيّ مع النظام - باستثناء من يلزم من الساسة والأحزاب الذين حفظوا حتى الآن حدًا أدنى من الموقف الإيجابي تجاه قضية السوريين - يبدو صامتًا مباركًا لحفلة الجنون، والحاصل أنّ ليست وزارة الداخلية أو أية هيئة مدنيّة أخرى من تقرر السياسات تجاه اللاجئين، بل المجلس الأعلى للدفاع! ضدّ مدنيين عزّل، يجتمع المجلس الأعلى للدفاع، ليقرر. 


في عصر الشعبويّة والتطرف، تبتعد المدينة عن «روحها»؛ أجهزة «الدولة» مشغولة بملاحقة «الديليفري بويز» السوريين في شوارع العاصمة لمنعهم من العمل، البلديات تعلن حظر التجوال للعمّال الأجانب، و«الأمن العام» يسلّم لاجئين لنظام البراميل والمحارق

ذلك كلّه ليس دون اختراع سرديّة تدعمه: يتم الحديث مثلاً عن سوريا التي لم تعترف يومًا بكيانيّة لبنان - وكأنّها مشكلّة سوريّة صرفة، وكأنّ شرائحًا من المجتمع اللبناني نفسه، لم تكن ترفض الكيانيّة اللبنانيّة حتى لما بعد الاستقلال، وكأنّ مشكلة القوميّة العربيّة في الخمسينات والستينات إنما سببّها السوريون؛ أو يتم الاستطراد حديثًا عن حروب زحلة والأشرفية - على أنّ الجيش الذي اجتاح زحلة والأشرفية ليس هو نفسه من اجتاح دوما وحرستا والمعضمية، وغيرها من مدن السوريين ودمّرها على رؤوس ساكنيها؛ وإنّ كان السرد التاريخيّ لا يكفي، فالحاصل أنّ الإعلام «الحر» قد أبدع بقواه الذاتيّة في عزف سيمفونيات القهر والعنصرية، فجرى الحديث عن السوريين مسببي التلوّث، والسرطان، وحوادث السير، وتراجع سوية التعليم؛ محبّو الأضواء، «الـShow»، بدورهم بحثوا لأنفسهم مكانًا في جوقة الشتّامين، خرجت إعلاميّة قديرة لتعلن عبر تويتر أنّها بلّغت عن عاملة سورية «غير شرعية» واصفةً إيّاها كالـ«عبدة»، أما آخر، فتحدث معيرًا عن «دعم الدولة للخبز» الذي يستهلكه السوريون. نجوم التوك الشو والمؤامرة، أوضحوا خيوط المؤامرة الرهيبة بين اللجوء السوريّ وصفقة القرن! يجري ذلك كلّه دون أدنى إشارة، لتقارير أخرى تقللّ من سوداويّة الوضع وثقل النزوح، ناهيك عن التجاهل المعتمّد لغرق لبنان نفسه ومتاجرته بالحرب السوريّة: ميليشيا حزب الله الفاعلة على مختلف الجبهات، التجييش والشحن الطائفيّ الذي مثلّته مشاركتها، شركات وأملاك مقرّبي النظام في بيروت التي ساعدته وتساعده على التملّص من العقوبات الدوليّة وتمويل نفسه (في الظلّ)، وصولاً إلى تجنيس مقرّبي السلطة!


وليست المشكلة محصورة  هنا فقط، فعلى صعيدٍ أكبر، هرب السُياح والمستثمرون والمودعون برعاية «محور المقاومة». مشاكل التمويل بالعجز والتهرب الضريبي ومؤشرات الفساد المرتفعة والهدر، والتفاوت الطبقي والديون الفلكيّة تنذر بانهيار شامل؛ أليس مستهجنًا أن نسمع عن كتب وعروض تمنع؟ عن مدوّنين وناشطين يُستدعون على خلفية منشورات على منصّات السوشل ميديا؟ عن فضائح تجسس وافتراء، يبرئ القضاء مرتكبيها؟ عن أحكام بالقدح والذم يربحها سياسون؟ عن إفلاس محتمل؟ لكنّ كل ذلك، سيتم حلّه «بهدوء وروّية» كما يقال، فبلاد الأرز اليوم، بقّضها وقضيضها، إنما مشكلتها الرئيسيّة تعيين الفروق الدقيقة بين «اللاجئين» و«النازحين».


ليس الهدف هنا، نفي وجود مشكلة موضوعيّة أنتجتها الحرب السوريّة في دول الجوار؛ لكنّ أن يتم عمدًا وكمدًا الاستثمار في ضحايا المشكلة -وليس مسببيها – من اللاجئيّن، وتحويل أجهزة الدولة، من حامٍ لقِيَم الحريّة والعدالة، لراعٍ رسميّ لسياسات التضييق والعنصرية، لدرجة يصحّ معها توصيف ما يجري حاليًا بتهيئة الأجواء لـ«حلٍ أخير» و«ليلة زجاج متكسّر»*** على الطريقة النازيّة (طالما أنّ الحلول الحالية تبقى قاصرة ومبتورة عن «جلاء» السوريين)، فذلك ينذر بنهاية بيروت التي نعرف! وتدمير الأساسات التي قامت عليها وطوّرتها منذ قرنٍ ونيّف؛ وإذا ما نجحت مماثلة السوريين بالمصيبة، فإنّ رعاة «العهد» لن يتوانوا عن نقل التجسيد هذا لجماعات أخرى، وحريّات وحقوق عامّة، بمبررات ليست بعيدة عن تلك التي تستخدم في رعاية العنصريّة ضد السوريين: حفظ «الدولة»، «الأمن»، «التوازن الطائفي»، «التكلفة» و«المقاومة».

فهل للمدينة أن تقف في وجه ما تؤخذ إليه؟ بعد «الاجتياح» و«الوصاية»، خوض معركة ثالثة دفاعًا عن «مدنية» بيروت و«أبوكليباها» يبدو لزامًا.


المشاة يعبرون قرب النوافذ المحطمة لمتجر يملكه يهودي في برلين بعد هجمات "كريستال ناخت" العنصرية. نوفمبر 1938

كسوريّ عاش وعَمِل في بيروت، تأمل أبنيتها القديمة وأبراجها الحديثة، شاهد بقايا حربها الأهلية ومهرجانات سلمها الأهليّ، ركض نحو منارتها وخالط أهلها، تلّمس ما بقي من ثقافتها الرفيعة كـ«كوزموبول» وشعر بتيارات جرّها نحو «نا» الجماعة بمعناها الأضيق، ليس له إلا أن يتمنى أن يستطيع الأصدقاء «هناك» حرف المدينة عن جبل الجليد الماثل أمامها، والذي لانرى منه حتى الآن، سوى الرأس!


هامش :

* الذي أنتجته المنطقة في الأنتيك المـُبكر، وحُفظ لأيامنا وثنيًا عبر الملاحم وابراهيميًا عبر المخطوطات الملحقة بالتوارة ثمّ «الأبّوكريفا»، الكوني.

**انظر على سبيل المثال، البعد الرؤيوي لمدينة صور القديمة في القصيدة المدعوّة «مرثاة صور» التي استعان به ميشال شيحا لوصف فهمه لدور بيروت الحديثة الوارد في الفصل 27 من كتاب حزقيال النبيّ.

*** ليلة الزجاج المتكسّر، وقعت في 9-10 تشرين الثاني 1938 في ألمانيا النازيّة؛ استهدف فيها رعاع القوميين الاشتراكيين المحلاّت التجارية المملوكة ليهود أو التي يعمل فيها يهود. أحرقت منازل ومعابد يهوديّة كذلك الأمر، وأدت لمقتل 91 مدنيًا؛ واعتقال 31 ألفًا من المدنيين اليهود وإرسالهم إلى معسكرات العمل القسري.

0 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"