• sameralnajjar16

من يوميات متسوّل

Updated: Aug 14


ضوء الشمس يهزم الظلام بعد معركة مضنيّة، وضجيج السيارات المتزايد بدأ يزعجني بشكل كبير. ها هو يوم شتويٌ آخر يبدأ، فصلٌ جديدٌ من الصقيع والألم. الضباب يحجب نهاية الشارع والهواء البارد يملأ رئتيّ.

الملل، هو أكثر ما يزعجني الآن. هو الملل، الذي ما كرهت شيئاً آخر في حياتي ككرهي له. لا البرد عاد يزعجني كما كان فيما مضى، ولا الجوع، ولا الوحدة ولا احتقار الناس، إنه الملل، الملل فقط.

استيقظت ككل يوم، أنهض وأرفع عن جسدي الغطاء المهترئ الشبيه بالمجتمع هذا وأتكوّر على نفسي لأدفئ جسدي بجسدي، رميت الغطاء الصوفي على كتفيّ، وعدّلت قبعتي الصوفيّة الحمراء على رأسي ورحت أحاول عبثاً نفخ الهواء في يديّ لتدفئتها.

رمى أحد المارّة للتو بسيجارته على الأرض بينما يمشي مسرعاً بعد انتهاءه منها فهرعت لالتقاطها، لقد ترك فيها مقدار سحبتين كفيلتان بإعادة بعض الصفاء لذهني هذا الصباح. أنا أكبر عدوٍ لأولئك الذين يطفئون سجائرهم في مكانها المخصّص. السجائر يجب أن تُرمى مشتعلةً على الأرض. هل أكون هكذا في مواجهة القانون؟ أنا لا آبه. وجودي بحد ذاته مخالفٌ للقانون. الدولة ومؤسساتها لم تسمع عنّي شيئاً منذ سنوات على أيّة حال. هذا جيد لموظفي الحكومة، فبهذا يكون لديهم عمل أقل، وجع رأس أقل، وأوراق أقل.

كانت السيجارة مشتعلةً جداً، يبدو أن الرجل قد دخّنها بسرعةٍ كبيرة، هذا يوفّر عليّ على الأقل استيقاف أحد المارّة لطلب ولّاعة. هذه عمليّة صعبة جداً بالنسبة إليّ، فمن سيتوقف لعشر ثوانٍ ليعيرني ولّاعته؟ وضعت السيجارة بحذرٍ ومتعةٍ بين شفتيّ وسحبت منها سحبةً أولى بطيئة بينما أمد قدماي. نوبات الألم قد باتت تتكرّر بشدةٍ في الفترة الماضية. أعلم أنّني أعاني من الروماتيزم ولست بحاجةٍ أن يخبرني طبيبٌ بذلك. ولكن وبما أنّني غير قادرٍ على تفادي الألم، فأنا أحاول تقبّله بصدرٍ رحب كأمرٍ واقع.

نظرت إلى السماء راجياً سطوع الشمس، علّها ترمي على جسدي بشيءٍ من الدفء. عبثاً، يبدو أن هذا اليوم، كما الأمس، غائمٌ، كئيبٌ وأليمٌ بشدة.


الرسمة للفنانة راما الدقاق

بينما أسحب آخر ما تبقى من السيجارة وأنظر إليها بكلتا عيناي مسروراً، تعثّر رجلٌ بقدمي وقد كان منشغلاً بهاتفه النقّال. نظر الرجل إليّ بغضب وراح يشتم ويسب بينما يكمل طريقه. كان رجلاً في منتصف العمر، يبدو أنيقاً ومحترماً، ضخم الجثة يرتدي معطفاً ثقيلاً يغطّي جسده حتى أسفل الركبة وحذاءً فاخراً راح ينظر إليه بينما يمضي شاتماً ليتأكد من أنّه لم يتسخ لملامسته لي.

أثار الموقف انزعاجي الشديد ثم ما لبث أن لفت انتباهي شابٌ وفتاة مرّا من أمامي. سحبت أقدامي سريعاً من طريقهم لدى ملاحظتي لهم خوفاً عليهم من التعثّر، فأنا لا أحب أن يتعثّر أحد بي. أنا لا أريد لأحدٍ أن يلحظ وجودي هنا حتّى! رحت أراقب الشاب والشابّة بينما يبتعدان عنّي. كانت الفتاة تتأبط ذراع حبيبها بكلتا يديها وتشده إلى صدرها بقوّة مغمضةً عينيها بينما ينتبه هو إلى الطريق.

لقد ذكّراني بأيامٍ قديمةٍ كنت أبيع فيها الأزهار الحمراء. حسناً، لربما كانت كلمة "أبيع" ليست دقيقةً تماماً. في الحقيقة كنت قد حصلت حينها على مبلغٍ محترمٍ من المال من رجلٍ كنت قد ساعدته في الإمساك بلصٍ قد سرق محفظته وراح يركض. كلمة "ساعدته" هي الأخرى ليست دقيقةً تماماً، فقد تعثّر اللص بقدمي بينما كنت غارقاً في قراءة جريدةٍ مضى على صدورها عدّة أيام، تماماً كما تعثّر منذ قليل الرجل ذو الهاتف النقّال بي. اشتريت حينها الكثير من الأزهار الحمراء ورحت أجول في الشوارع والمقاهي لبيعها للعشاق والمراهقين. الغالبيّة العظمى كانت ترفض الشراء، فأهديهم زهرتين وأمضى. أو أهدي أحياناً السيدات الجميلات زهرة، معظمهم كانوا لا يقبلون هديتي التي لم أكن أعني بها أكثر من الإعجاب، وبقيت على حالتي هذه عدّة أيام حتى نفدت كل الأزهار لدي ولم أجنى منها إلا القليل من المال، أي ثمن وجبتي غداء من مطعمٍ تركيٍ جيد تقاسمتها مع أحد أصدقائي القدامى الذي كان يسكن على رصيفٍ مجاورٍ قبل أن يختفي منذ سنوات.

نعم، اختفى ماكس منذ زمنٍ ولم أسمع عنه بعدها أي شيء. لقد كانت أحلامه كبيرة وكان إنساناً براغماتياً بشكل يثير غثياني. لقد قلتها له مراراً: "لو لم تكن مشرّداً لكنت بالتأكيد رأسماليّاً نتن".

حياته كانت تشبه حياتي ولكنّه لم يكن يوماً يشعر بالرضى. كان يحكي لي عن أحلامه ببناء ثروةٍ ضخمة بينما أبتسم أنا بسخرية. عندما علم قبل سنوات بأنّني أوزع الورد بالمجان، جن جنونه وقال لي أنّني لن أصبح غنيّاً يوماً، كما صرخ مستنكراً فعلتي مدّعياً أنه كان بإمكاني توسعة تجارتي وجني الكثير من الأموال من بيع الأزهار، وعندما أخبرته أن النقود بحد ذاتها ليست هدفي، وصَفني بالأبله. هل صار غنيّاً الآن يا ترى؟ لا أعتقد ذلك. فهنا يزداد الفقير فقراً، والغني غنًى. الآمال والأحلام لا تصلح للجميع، كما أنها ليست وفيّةً لأصحابها أبداً. لكن ربما كان إصرار ماكس استثنائيّاً وهذا ما جعل منه مختلفاً عن جميع الخائبين.

كنت كل ما حدثته عن الحب حدّثني عن المال. أحدّثه عن الأنثى الجميلة التي تسكن مخيلتي فيحدّثني عن أحلامه بالثروة. أحدّثه عن الفقراء والعدالة فيحدّثني عن المجتمع المخملي والحياة الفارهة التي يأمل بها.

لربما كنت ساذجاً، فها أنا أقبع في مكاني على هذا الرصيف، بينما ماكس الآن ربما قد بنى مجده الخاص وامبراطوريته المأمولة.

بعد الظهيرة بدأ الجوع ينال منّي. أنا أسكن هذا الشارع الفاخر منذ مدةٍ قصيرة. هنا لا أحصل على الطعام إلا نادراً. لا مشكلة لدي مع الجوع في الحقيقة ولكنني ألحظ أحياناً بأنني بحاجةٍ لشيء يؤكل. في المطعم المقابل هناك على ما يبدو حدثٌ مهم. السيارات الفخمة تتوافد إلى المرآب. هو مطعمٌ فخم، ذو واجهة زجاجيّة عريضة جداً. عماله يترصدون حركاتي باستمرار أو ينظرون إليّ أحياناً بنفاد صبر بينما أمد لساني لهم.

بعد نصف ساعةٍ تقريباً بدأت الأصوات تعلو، والأضواء الملوّنة تخطف الأبصار، بينما يحيط الكثير من الرجال الأنيقين والنساء المترفات بطفلٍ في السابعة أو الثامنة، يغنّون ويرقصون محتفلين بيوم ميلاده، بينما ينظر الصغير إلى الخارج باتجاهي بحزن. تمنيت حينها لو كان بوسعي أن أهديه شيئاً، أو أسحبه من بين أولئك الحمقى لأحتفل به هنا على الرصيف، حيث يكون الاحتفال حقيقيّاً. قلت في نفسي: "ها هو رأسمالي آخر يتم إعداده، المسكين!".

أنا أكره هذا المطعم والأماكن المشابهة له. فكرت مرّةً أنّه لو كان باستطاعتي رسم ممر مشاةٍ بيني وبين المطعم، لتتوقّف كل السيارات. لأصرخ بوجه الجميع قائلاً: "اليوم سيعبر الفقراء. سيحتفل الفقراء. سيأكل الفقراء الكافيار وسيشربون الويسكي الثمينة دون أن يدفعوا فلساً واحداً. اليوم سيعيش الفقراء. وستقفون جميعاً متفرجين.

لطالما شكّل ذلك المطعم ورواده من سائقي السيارات الفخمة خصوماً لي.

خرج الطفل بعد قليلٍ مع والدته متقدّماً نحوي مناولاً إيّاي بقطعة حلوى، فقلت له: "سنة سعيدة يا صغيري!" ابتسم الصغير بلطفٍ ومضى. تناولت قطعة الحلوى ببطءٍ شديد وكانت لذيذةً للغاية.

تفاجأتُ بعد عدّة ساعاتٍ بالطفل مع والدته ينزلان من السيارة السوداء الفارهة ويتقدمان نحوي. كان الطفل يحمل كيساً فيه بعض الطعام مع معطفٍ لا يبدو جديداً للغاية ولكنه بالتأكيد باهظ الثمن ووزنه كبير. معطفٌ لم أحلم بمثله في حياتي. أعطاني الطفل الكيس وابتسم لي بينما يمسك بيده الأخرى يد أمه. قلت له: "شكراً جزيلاً أيها البطل، سأقبل هديتك" وابتسمت ابتسامةً تظهر عدم امتلاكي لأي أسنان لأضحك الصغير، فنظر بفضولٍ إلى الأم فما كان منها إلّا أن بدأت بترجمة ما قلته بلغة الإشارة. أحزنني ذلك بشدة. نظرت إلى المعطف، لقد كرهته جداً، ونظرت إلى شعار الشيوعيّة على حقيبتي الكبيرة بازدراء.

"ليت الطفل لم يرجع بعد أن أعطاني قطعة الحلوى" حدّثت نفسي. انتصبت واقفاً لأرتدي المعطف الفخم بينما عيناي تدمعان بشدة. رحت أدور حول نفسي ناظراً إلى المعطف وقياسه وفي الأثناء كانت سيدة شديدة الجمال تسير على الرصيف. طويلة القامة مع شعرٍ أشقر طويل يتدلى على كتفيها في الاتجاهين. عيناها الزرقاوان كانتا تلمعان من بعيد. كانت ترتدي معطفاً بني اللون وشالاً أحمراً خفيفاً. بينما كانت السيدة تقترب باتجاهي، رحتُ أعدّل كتفاي معتدّاً بالمعطف الفخم والنظيف كأنّني عارض أزياء.

رمقتني السيدة بنظرة احتقار وراحت تحاول إمساك شالها لدى هبوب رياحٍ قويّة. أفلت الشال من يد السيدة وطار باتجاهي وعلق بحقيبتي المركونة على الرصيف ليغطي الشعار، توجّهت بسرعةٍ إلى أشيائي وأمسكت الشال بكلتا يدي بينما تركض السيدة نحوي. عندما وصلتْ إلي مدّدت لها الشال وأنا أنظر في عينيها الجميلتين. وعندما رفعت رأسي، وجدت أحدهم يمدّ يده من خلفي حاملاً زهرتين حمراوين بتطفلٍ وبلاهة. خطفت السيدة شالها ومضت بينما أحدّق في عيني ماكس الذي يقف خلفي جاحظ العينين متنقّلاَ بنظره بين وجهي والمعطف. أعاد ماكس الزهرتين إلى الباقة ومضى بدوره مبتعداً بخجل.

شباط ٢٠٢٠

51 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"