عن ثورة علمتني الانتماء

بقلم : قيس


"من أين أنت؟" لا تبدو الكلمات الثلاث أكثر من سؤال عاديَ. بل وبديهيّ أحيانًا. لكن هذه الكلمات، على بساطتها، شكّلت لغزًا معقدًا استعصى عليّ حله وأنا طفل. كنت دوما أردد جوابًا لم يسعني، ولا يسعني حتى اللحظة، تفكيك شيفرة تناقضاته: "أنا من سوريا". في كل مرة أردد فيها أوتوماتيكيًا هذا الجواب، أسأل نفسي مسائلًا جوابي نفسه: هل حقًا أنا من تلك البلاد؟ هل حقًا أنا من سوريا؟ كانت تبدو البلاد التي أنتمي لها في مخيلتي كأرض "أوز" الخيالية من الفلم المشهور "ساحر أوز".


ولدت على أرض تبعد آلاف الكيلومترات عن الأرض التي أدعي أنها وطني. غادر أبي سوريا مطلع الثمانينات أو ربما في نهاية السبعينات. لا أعرف التاريخ تمامًا. لم يخبرنا والدي تاريخ الحكاية ولا الحكاية نفسها. كل ما كنت أعرفه عن سوريا، موطني المفترض، هو صوت نشيج أعمامي وعماتي على الهاتف اشتياقا لأبي، أصغرهم عمرًا. حتى أسماؤهم لم أكن أحفظها. كنت أعرف أنهم كثيرون وأن لدي أولاد عم في مثل عمري وأن لأحدهم مزرعة في مدينة دير الزور. لا أعرف أين تقع تمامًا ولكنها كانت في خيالي تشبه إحدى مزارع هولندا المصورة في إعلانات زبدة لورباك.


أذكر إلى الآن درس اللغة العربية في المرحلة الابتدائية، عندما درسنا قصيدة عن الوطن العربي. كان صفي يحتضن جنسيات متعددة. أعطى المدرس كل واحد منّا بيتين من القصيدة يتحدثان عن وطنه الأم ليحفظهما و يرددهما أمام طلاب المدرسة في اليوم التالي. كانت من نصيبي أبيات تقول : "أنا الفجر منير الكون قلب العرب سوريا ... و تاريخي بطولات و أمجاد و حرية". لم أكن أعلم عن أية أمجاد تتحدث القصيدة، وما هي البطولات التي تفخر بها سوريا، كل ما كنت أدركه هو أنني أحمل دفترًا كحلي اللون مكتوب عليه "الجمهورية العربية السورية". وأن هذا الدفتر داكن الزرقة حدد لي أبيات الشعر التي سألقيها أمام طلاب المدرسة. لم أكن أعرف أنه سيحدد أسئلة تشغل شبابي.


مع اقتراب كل صيف كنا أنا وأصدقائي نسأل بعضنا عن مخططات العطلة. وكان أصدقائي جميعًا، باستنثاء الفلسطينيين، يجيبون أنهم ينوون السفر لقضاء العطلة الصيفية في بلدانهم. أما أنا فأجيب بخجل عندما يسألني الرفاق إن كنت سأزور وطني: "لا! نحن لا نزور سوريا. بابا و ماما لا يأخذوننا إلى هناك". مضت اثنتي عشر سنة من عمري حتى قرر أهلي أن الوقت حان لزيارة البلد. ركبنا الطائرة التي أخذتنا إلى مطار دمشق ليستقبلنا عمي قائلًا: نورت الشام!. "الشام؟" سألت. أجابني أقاربي أن "الشام" في المحكية السورية تعني: دمشق

سأعترف أني لم أشعر بالانتماء لسوريا أبدًا عند زيارتي الأولى لها. لم يتغير شعوري بعد زيارتي الثانية والأخيرة بالمناسبة. لكن تربطني بسوريا علاقة غريبة لا أستطيع التعبير عنها حتى اليوم. أنا منها ولكن لا أنتمي إليها وهي وطني! في أول مرة زرت فيها عائلتي في سوريا و مشيت على ضفاف الفرات مع أبناء و بنات أعمامي و عماتي، كنت أشعر أني غريب عنهم، ولكنّي أحمل لزومًا نفس اسم العائلة الذي يحملونه. كنت أشعر بضياع في الهوية لا يجب لأي طفل في الثانية عشر أن يشعر به. شهران قضيتهما في سوريا خرجت بعدهما بأسئلة حيرتني أكثر من ذي قبل. أحسست بفقدان الذات أكثر. من أنا وما هي هذه الأرض وهل حقا أنتمي لها؟ هل أرفض الانتماء لها؟ أم ترفضني هي؟ كانت تضيع خيوط نفسي مني.


من أنا وما هي هذه الأرض وهل حقا أنتمي لها؟ هل أرفض الانتماء لها؟ أم ترفضني هي؟ كانت تضيع خيوط نفسي مني.

بالمقابل لم أشعر بالانتماء أبدًا إلى الأرض التي ولدت عليها. لكن ما خفف وطأة غربتي أنني كنت محاطًا بكثيرين، ليسوا "من هنا" ويدركون ذلك. كنت وسط الغربة إلا أنني لم أكن وحيدًا فيها. كان الكثيرون من حولي يشاركونني الحيرة نفسها مما سهل علي التعايش معها، فكما يقال: "الموت مع الجماعة رحمة"! بينما في سوريا شعرت أنني وحيد في غربتي في بقعة الأرض الوحيدة التي افترضت أن علي أن لا أشعر بالغربة فيها. بينما كان الجميع حولي منتمون، لم يتضامن معي أحد في غربتي في وطني.

أذكر ليلة وصولي مدينة دير الزور قادمًا من دمشق لأول مرة. ليلتها سردت لي أمي خلال ثوان أسماء أعمامي و أولاد أعمامي الواقفين وسط محطة الباصات منتظرين وصولنا. كنت أطلّ برأسي من شباك ما أسماه عمي الذي رافقنا يومها: "البولمان". لم أستطع استيعاب ما يحمله هؤلاء الأشخاص من شوق لرؤيتنا أنا وإخوتي لأول مرة، و لم أفهم السبب وراء ذلك الكرم العاطفي. و لكنني أظن أن ما فهمته تماما ليلتها هو شعور أبي الذي يحبسه في صدره ودموعه التي تتسلل من عينيه كل مرة يتحدث هاتفيًا مع إخوته في سوريا. عرفت ما الذي فقده.


وصلنا وتقاذفتني الأحضان، كانت عبارة: " قربانكم .. من ريحة أبوكم" ترن في أذني وبقيت عالقة في ذاكرتي لا تفارقها. أبي الذي حٌرم من رؤية عائلته ثلاثين عامًا كان بارعًا جدا في إخفاء الندبات التي خلفها المنفى في كيانه. و لكن دموع عماتي يومها و نشيجهن على فراق أبي الذي لم يستطع مرافقتنا في رحلاتنا إلى سوريا، كان كافيا لأتلمس عمق الجرح الذي تركه ما يسمى "وطن" في صدر أبي.

على ذكر "البولمان"، كانت تلك أول مرة أسمع فيها هذه التسمية، وكانت تلك بدايةً لفيضان من الكلمات التي سأسمعها يوميًا في دير الزور وحلب والتي ستكون أجنبية عني. ساهمت هذه الكلمات بنسج شعوري بالغربة الذي غلفني طول الزيارة. كنت أمشي في حارات سوق التجار في الدير مع أحد أقربائي، لأعود كل ليلةٍ بمخزون من الكلمات أسأل أمي عن معنى بعضها، و أحاول استخدام بعضها في اليوم التالي في محاولة للانتماء، ومحاولة لفك عقد النسيج بي وحله عني. بدأت أستعلم عن أخبار الناس بقولي "شكون أخبارك؟" وأدسّ المفردات الجديدة في كلامي اليومي. كانت معاناتي في أن أبدو مثل الآخرين مضاعفة بسبب المفردات التي لا تمت للسورية بصلة، والتي تسللت إلى قاموسي اللغوي من خلال تعاملي مع أصدقائي المنتمين لأوطان أخرى.


بعد عدة أعوام و قبل اندلاع الربيع العربي بعام واحد زرت سوريا مرة أخرى. في إحدى ليالي حلب الظلماء رجوت أمي أن تسمح لي، مدفوعًا بحس المغامرة الذي أحسست أنه يسري في عروقي يومهًا، بأن أقضي الليلة حتى الفجر في شوارع حلب، بحجة أن الشوارع مليئة بالناس ولا خطر علي. أنا الذي ولدت في مدينة شديدة الأمان تصورت أن العالم بأسره ينعم بنفس درجة الأمان، و لم أدرك سذاجة فكرتي تلك إلا عندما خرجت من قوقعتي. خرجت للشارع بعمر السابعة عشر، و قضيت الليلة مع تاريخ حلب و حضارتها وسكونها. مشيت حلب الشهباء من شارع النيل إلى ساحة سعد الله الجابري، و حدقت في العلم المحلق عاليًا وسط الساحة. خاطبت العلم و أنا وحدي حوالي الساعة الثانية ليلًا، متأملًا نجمتيه الخضر: "هل أنت علمي؟ هل حقًا أحبك؟". لم أسمع سوى الصمت جوابًا.

غادرت بعد عدة أيام مودعًا حلب من نافذة الطائرة، غير مدرك أن وداعي يومها لأرض سوريا يشبه وداع هرقل أرض الشام بعد هزيمة جيشه حين قال: "وداعًا سوريا، وداعًا لا لقاء بعده". كان شعوري بالضياع و عدم استطاعتي إيجاد حلقة الصلة الضائعة بيني و بين أرض الوطن و فشلي الذريع في إيجاد جواب لسؤالي: "من أنا و إلام أنتمي؟" هو الهزيمة العظمى التي منيت بها خلال تلك الزيارة. كل ما استطعت الحصول عليه هو بضع ذرات تراب وورقة صغيرة من شجرة كانت موجودة مقابل بيت أحد أعمامي في دير الزور، وضعتهما في قلادة كنت ألبسها حول عنقي أثناء مرحلة دراستي الجامعية، لأكتشف يومًا ما في عامي الثالث أني فقدت الجزء الحاضن للتراب وورقة الشجر من القلادة دون أن أنتبه، و باءت جميع محاولاتي بإيجاد ذلك الجزء بالفشل.


حتى جاء مارس 2011 ..


كل ما أذكره أني فجأة أدمنت نشرات الأخبار، أنا الشاب الذي كان كارهًا للسياسة و متذمرًا بشكل مستمر من مشاهدة أبي وجدي اليومية للأخبار بالرغم عن أنها تعيد نفسها بشكل يومي، وأن سوار علم الثورة لم يفارق معصمي. مع هتافات المتظاهرين أحسست أني وجدت أجوبة لجميع أسئلة طفولتي، و أنني ربما لأول مرة أنتمي: أنتمي لفكرة. وأنتمي لشعب شجاع يطلب أسمى ما في الحياة. يطلب الحرية و يضحي من أجلها.

تحولت مادة الأخبار التي كنت أتذمر منها إلى أول ما أفعله عند استيقاظي صباحًا، وآخر ما أفعله قبل أن أتوجه للنوم. لم أكن أستطيع فعل الكثير، مما يشعرني بالذنب إلى الآن. في الحقيقة عندما أقارن ما ساهمت به بتضحيات الشهداء وعذابات المعتقلين وصرخات تعذيبهم. أشعر بالخجل والألم والعجز. أذكر جيدًا خجلي عندما أسرّ لي صديقي في المدرسة بأنه سيتوجه إلى حماة ليدافع عن مدينته، بينما اخترت أنا أن أكمل دراستي الجامعية بأمان بعيدًا عن البراميل المتفجرة ورصاصات القناصين.


لم أكن أعلم طيلة مرحلة طفولتي إلام أنتمي. ولا زلت إلى الآن في رحلة بحث عن إجابة لذلك السؤال. الرحلة التي تصبح مع الوقت أكثر صعوبة. ففي الوقت الذي تصارع فيه سوريا ظلمًا وظلماتًا من كل الجهات يصبح إيجاد إجابة عن سؤال الانتماء أصعب بأشواط. سوريا اليوم ليست لأي مواطن سوري. ليست لي ولا لنا. على أرض الواقع أصبحنا جميعًا مواطنين مع وقف التنفيذ بلا أرض ولا حقوق. أراقب اليوم الناس في إدلب وهم يقتلعون من جذورهم ويجبرون على ترك منازلهم ويؤلمني سؤال الانتماء أكثر. هل يفترض برحلتنا في البحث عن جذورنا وماننتمي إليه أن تكون أبدية؟


ففي الوقت الذي تصارع فيه سوريا ظلمًا وظُلماتًا من كل الجهات يصبح إيجاد إجابة عن سؤال الانتماء أصعب بأشواط.

وهل أنتمي إلى سوريا؟ إلى الوطن الذي نفي منه أبي وهجرت ملايين الناس منه؟ لم تصالحني السنين مع سوريا كوطن ولم تشعرني زياراتي إلى سوريا بالانتماء، ولكن لحظة آذار عام 2011 كانت منعطفًا مهمًا في رحلة بحثي عن ذاتي وهويتي. أدركت مع انتفاضة الشعب أنني أنتمي. سوريا وثورتها أهدتني انتماء حدّد لي ذاتي. انتماءً إلى الحرية. لقد خسرنا جولة في معركة الحرية لكنني أنتمي إلى المعركة وليس إلى الخسارة. أنتمي إلى فكرة الوطن الحر حتى لو لم يكن لدي وطن حر. أنا أنتمي فيزيائيًا إلى سوريا وتعود جذوري لها، لكنني أنتمي أكثر إلى فكرة الكرامة والتحرر من القيود. إلى الثورة.

120 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"