فوضى على هامش انتخابات

الكاتبة: رغد ش.أ


عشر سنواتٍ عِجاف الإنجازات، ملأتها أطنان من الخديعة بوعودٍ دون فعل، تلتها عشرٌ أُخر، اعتمد فيها في سبيل بقائه على تدمير بيوتنا وأعمالنا، دمّر اقتصادنا ونهب ثرواتنا، ثم افتعل كل ما في وسعه لأن يدمّر ما هو أثمن، إذ دمّر نفسياتنا وأرهق عقولنا، في محاولة للقضاء على كل محاولاتنا المستمرة في البقاء. على مدار عقودٍ، وفي مسارٍ لإكمال ما بدأه الأب، قضى على السياسة والثقافة، قضى على الحضارة، قضى على شبابنا، وقضى على سوريا. زرع فينا ثقلًا، وولّد فينا الإحساس بالخذلان والهزيمة. استمر على هذا المنوال منذ العشر سنوات تلك، وصولًا إلى ذلك الخطاب الذي خرج به معلنًا “انتصاره” المزعوم، بعد مسرحيةٍ جديدة يقال أنها "انتخابات"، شكر فيه محبيه، كأنما أصواتهم لقّنته الفوز - فوزٌ على أطلال جثثنا وأنقاض بيوتنا.


بشار الأسد: هذه لك.


عندما خطونا في هذا الطريق، كنا ندرك أنه طويل متشعب ومتعب، إلا أننا مشينا فيه باختيارنا منذ عقدٍ مدركين أنه طريق حق، لكن هذا لا ينفي أننا قد ننكسر، نضعف، ونبكي، عندما نرى أن واقعنا الحالي بعيد عن الحُريّة التي نشدناها، بينما يعيش هو في قصره ونحن في المنفى، نستذكر مجازره والأيام التي سرق منّا أحبابنا فيها، لم يترك لنا يومًا في السنة دون بصمة دمٍ من أنهاره. بينما نحارب بالكلمة والقلم كذبه، يجلس هو ليكسب يومًا بعد يومًا قبولًا بخفية أو بوقاحةٍ علنيّة.

كل هذا القهر تجدد يوم اختار مدينة دوما لتتوّج مشاركته في انتخاباته السخيفة. أول من خطر لي حينها كانت رزان، تذكرت رزان زيتونة وطريقها، عقلي استحضر صوتها من إحدى مقابلاتها، لا أذكر أي وحدة تحديدًا لكن حضور صوتها كان كافيًا. تذكرت سميرة، وائل، وناظم. تذكرت كم خُطف من دوما رفاق وأهل، كم سُرقَ منها أرواح غدت شهداء، كم تهجّر من أهلها أعداد، أُناس باتت أرقامًا، قد لا نذكر أسماءهم ونجهلها، على ضخامة الأعداد، تخوننا الذاكرة والزمن .. هم غائبون عن دوما وهو حاضرٌ فيها. غيّبهم كل من شارك في تشويه ثورتنا، كل من عمل على إحباط الأمل فينا، كل من حمل سلاحه ضدنا، كلهم شركاء، وعلى رأسهم هو، المتسبب في كل هذا وذاك، في كل خطفٍ، في كل قتلٍ، وكل موت، في كل ضربٍ، اعتقالٍ، وتهجير. تذكرت ذكريات طفولتنا وشبابنا هناك. كل مجزرة حصلت على أرض دوما مع الغوطة كلّها، عادت لي أصوات صرخات الأطفال من يوم مجزرة الكيماوي الأولى، وصولًا إلى الأخيرة في المدينة، والتي أدّت أخيرًا إلى تهجير أهلها. اليوم بعد 10 سنوات يقف هو بسلطةٍ مفروضة في المكان ذاته على أطلالنا. لم أشعر منذ زمنٍ بكل هذه الضرورة في الاختفاء كمثل هذا اليوم، ما هذا الاختيار؟ دوما؟



"لم يترك لنا يومًا في السنة دون بصمة دمٍ من أنهاره. بينما نحارب بالكلمة والقلم كذبه، يجلس هو ليكسب يومًا بعد يومًا قبولًا بخفية أو بوقاحةٍ علنيّة."

حاولت مرارًا يومها الكتابة أو حتى التعبير، جرّبت التحدث إلى أحد ما لكن - عبث! العجز كان أعمق، الاختيار الجغرافي للموقع الانتخابي كان مخيفًا، شعرت لوهلةٍ أنني محاصرة في غرفةٍ وصوره تحيط بي من كل زاوية، تنظر لي بعينٍ شامتة حاقدة تضحك بسخرية، تُخبرني أني سقطت وهو انتصر، تُخبرني أن كل ما لدي في دمشق هو عبثي، وأن دمشق لهُ وحده. لم تكُن تلك المرة الأولى التي يسيّس استخدام مدننا الواقعة تحت سيطرته ضدنا، ولم تكن تلك زيارته الأولى إلى الغوطة، حيث زارها قبل سيطرته على دوما في 2018 وبعد سيطرة جيشه على أكثر من 80% من مساحتها، واختار 18 آذار أي الذكرى السابعة للثورة السورية في درعا، اختار هذا اليوم ليصادف موعد زيارته، كفعلٍ صريحٍ لتأجيج مشاعرنا واستفزازنا. خاطب يومها جيشه قائلًا: "كل رصاصةٍ تطلقونها لتقضوا على إرهابي، كنتم تغيّرونَ فيها ميزان العالم". بالتأكيد والمعلوم أن "إرهابي" في قاموسه الشخصي توازي معنى أيُّ مدنيٍّ معارضٍ له، و"إرهابي" هنا هي أحد الصفات التي نُعتنا بها منذ 2011 وحتى اليوم، وليست أسوأها بطبيعة الحال. صحيح، لقد غيّر جيشه ميزان العالم عندما أطلق رصاصه الحيّ علينا، حيث ازداد العالم بنظرنا وحشية وقسوة، وقلّت موازين العدل فيه.







يومٌ آخر،


بمجرد أن تنطق أمامي اسم حي بابا عمرو، يستحضرني ذلك الهُتاف العالي "بابا عمرو يا عُمري .. ويا وطننا ويا غالي" هو لم يختار بابا عمرو لصدفةٍ ما، ولا حمص لكونها فقط حمص، بل لمحاولةٍ منه لإذلالنا، يعلم أن حمص لثورتنا عاصمة، وستبقى!

أي نظامٍ حاقدٍ هذا؟ حمص التي أُدين لها من عُمري الكثير، أُدين لها كدرعا الفضل بتعليمي المعنى الحقيقي للحُريّة، لشبابها ونسائها بقصصهم وأحلامهم، أُدين لهم إدراكي المعاني الحقيقية للتضحية.


"ممتنة لثورةٍ انتشلتنا من هذا القاع، قاع البعث!"

أطلقوا خلال الفترة الماضية الموالون له والمسوّغون لوجوده على بابا عمرو مسمى "معقل الإرهاب"، نشروا ترّهاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي واصفين المشهد العام للاحتفالات، بـ"عودة الحياة لحي بابا عمرو"، رموا كل هذا في وجوهنا. ولكن إن عادت حقًا "الحياة" لبابا عمرو، فمتى يعود أهلها؟ ومن قتلَ منذ البداية الحياة في بابا عمرو؟ من دنّس ترابها بخطواته؟ من قصفها ومن دمّرها؟ وبالتأكيد لغير المصادفة، هذه أيضًا ليست المرة الأولى التي يحاربنا فيها بحي بابا عمرو، استفزنا بوقاحته المعهودة حين زاره في عام 2012 بعد سيطرة جيشه على الحي، مشى فوق ركامنا، واعدًا بإعادة الإعمار. كحملته الانتخابية التي جاءت بعد الزيارة بعامين، حملة "سوا" التي نادى بها للإصلاح ولإعادة إعمار البلاد على طريقته، البلاد ذاتها التي دمّرها بعد قتل وتهجير أهلها. تسع أعوامٍ مضت على زيارته العطوفة هذه، أين الإصلاح عن بابا عمرو؟ غائب!. حتى في حملته الانتخابية الأخيرة "الأمل بالعمل 2021" وعد بالعمل. لكنها أيضًا ستكون وعودًا فارغةً تمامًا؛ تُذكّرنا بهتاف قاشوش حماة حين قال "على سوف وسنعمل وسنشكل وسنحمي وسنؤسس، خلص بقى حاج علاك"، ليسأل القاشوش الحشود المتظاهرة "بدكن بشار؟" فيردون عليه بصوتٍ جهوريٍّ واحد: "لا والله!".




أكاد أُجزم أنه لم ينسَ أننا هتفنا أيضًا "الشعب السوري ما بينذل"، لذلك كرّس كل فعلٍ وقدرةٍ له وكل استغلالٍ لسلطته في سبيل أن يذل هذا الشعب الكريم. لذلك وبالرغم من كل نظرة قهرٍ أو شعورٍ حزين، إلا أنني كنت ممتنة، ممتنة لثورةٍ انتشلتنا من هذا القاع، قاع البعث. لكن لا أنكر أن ذاك القاع الذي أبدو بعيدةً عنه اليوم، لا يخرج من ذاكرتي، فهو مرتبط بحقيقة وجود المعتقلين والمعتقلات في سجونه، المغيبين قسرًا بظلمٍ وظلام. كذلك سوريو الداخل، المحاصرون بصوره من كل حدَبٍ وصوب، وأتساءل إن كانت هذه المشاهد تُرهقنا في بُعدنا، فماذا عنهم؟


يومٌ آخر،


"سقى الله أيامًا كنا فيها جراثيمًا". كان هذا أول ما خطر لي بعد أن شاهدت جزءًا من خطابه الأخير، الذي وصفنا وثورتنا فيه بـ"الثيران"، - مُبارك الترفّع يا رفاق! - عشر دقائق سجّلها لمحبيه، إلا أنه وجّه غالبية حديثه لنا عوضًا عنهم، ووجه لنا تسمية حاملي الجواز السوري ليرفع بذلك عنّا هويتنا كسوريين، معتقدًا حقًا أنه بذلك حرمنا من سوريّتنا، ولغى انتماءنا، كأنما هو من تكرّم علينا بحمل الجواز. أعاد لنا هذا الخطاب خطاب سقوط حلب، فمنذ أن بدأ بخطاباته المتلفزة على هذه الشاكلة ونحن نحاول أن لا ننجر إلى ما يريدنا أن نصل له من غضب واستفزاز. لكن لأحمل الأمانة في نصي وأكون عادلة، يجب أن نشكره على توصيفه لنا عندما قال "عرّفتم الثورة وأعدتم إليها ألقها، بعد أن لوّث اسمها جزءٌ من المرتزقة وفاقدي الشرف حاملي جواز سفرٍ سوري"، بتحليلٍ سريع وبعض المنطقية، أي عاقلٍ سيقرأ ما سبق سيشعر أنك تخاطبنا لا تخاطب محبيك، سنقيس كل كلمة خرجت منك في هذا الخطاب وستُقلب عليك، وصفتنا بكلماتٍ تدينك أنت، هي منك وإليك، فنحن حقًا من أعدنا تعريف الثورة، ونعم كانت ثورتنا ثورةً حقيقية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى حقيقي لا مجازي، ثورة ضدك وضد إرهابك وخياناتك، ثورة لسانٍ هتفنا فيه ضدك، وقلمٍ كتبنا وصغنا فيه الكلام ضدك، وعملٍ ضحيّنا بوقتنا فيه لتكريسه ضدك، وسلاحٍ حمله شبابنا مكرهين في سبيل الدفاع عن أرضهم ضدك. ثورة ضدك أنت!

أنت المطية هُنا، التي سمحت للروسيين والإيرانيين بالتحكم بها وتسييرها، كما أي شخصٍ يقف معك ضدنا، كل ذلك في سبيل أن تبقى في السلطة، أي أن تبقى حيث تشاء. ونعم، نحن حقًا من عرّفنا العالم على أنبل الثوار، وعلى ثورتنا العظيمة الصامدة رغم كل ما حدث، بشكلٍ خاص بعد أن لوّث من تحمل اسمه معاني الثورة بانقلابه المشؤوم. هو، أنت، وأتباعكم أيضًا، تعتقدون أنكم صانعو ثوراتٍ وانتصارات، لكنكم في الحقيقة، مجرد حاملي جوازاتٍ سوريّة. فهل ترى؟ لم يخدمك بشكلٍ كافي من كتب لك الخطاب.


"سيرى العالم مرةً أخرى أنه كاذب، وأيضًا كعادته لن يحرك هذا العالم لا مياهًا راكدة، ولا صوتًا ساكناً."



يومٌ آخر،


تزامن يوم الخطاب مع ذكرى رحيل باسل شحادة، فأمضينا اليوم كاملاً واليوم الذي قبله والذي بعده أيضًا في تذكّر باسل، نشرنا صوره، مقاطعه القصيرة التي تشع فيها ابتسامته الدافئة، أفلامه، ذكرياته، وكلماته. مواقع التواصل الاجتماعي تكاد تكون أفضل وسيلة لتواصلنا في شتاتنا السوري، لكن حتى هي التي نكرّسها للتذكير بقضيتنا، والتي غدت السبيل الأنفع وشبه الوحيد، باتت غريبة وموحشة. ففي وسط تذكرنا لباسل انتشرت صور احتفالات موالاة الأسد بـ"نصره" على تراب وطننا الذي خسرنا خيرة شبابنا في سبيله. قبل أيامٍ باسل وهاجر وقبلهم حمزة، وبعد أيام باسط، تتلوه مي ففدوى، وصولًا إلى الصفدي ثم غياث فيحيى، وحتى رزان وسميرة وناظم ووائل؛ تستمر السنة بمدار دوري لتذكّرنا بهم، ونحن لا عتاد لنا إلا ذاكراتنا وطريقهم.

لم نكن نتوقع نهايةً أخرى للمهزلة المسماة بالانتخابات، كنّا مدركين بيقين أنه سيفبرك كعادته، سيتلاعب ويزوّر، سيرفع مستوى بطشه أكثر فأكثر، سيمنح نفسه شرعيةً جديدة باسم دستوره فارضًا نفسه لسبعٍ جُدد. سيرى العالم مرةً أخرى أنه كاذب، وأيضًا كعادته لن يحرك هذا العالم لا مياهًا راكدة، ولا صوتًا ساكنًا. علاوة عن كوننا نعلم النتيجة سلفًا، لا يلغي هذا شعورنا بالإحباط بالضرورة، بل يحق لنا أن نحزن، وأن نشعر بكل ما نشاء، بالخيبة، بالخذلان، كل الأحاسيس هذه تأتي في محلها ونحن نقف أمام سوريا، سوريا التعيسة جدًا.

والآن بعد أن خفّ الزخم، من أجل من رحلوا ومن أجل من بقوا، كل ما نحتاجه هو أن نكرّس ما بقي من طاقاتنا في سبيل أن يبقى صوتنا أعلى من صوته، أن نكتب، نتكلم، نبتسم كثيرًا، ونضحك عاليًا. ألّا نسمح له أن ينتصر بإحباطنا، ألّا يفوز بطشه على كلماتنا، وألّا يتوّج باطله على حقّنا، وعلى شرط أن نبقى موجودين.


مُجددًا، بشار الأسد، إن كُنت لا تعلم، فالكلامُ كله عنك.



يومٌ أخير،


- بالعودة إلى ذلك المكان الذي أنتمي له والذي ما عاد يشبهني، عن احتفالات دمشق، وقلعتها. فمازلت أذكر يومي الأخير في دمشق، ومازلت عاجزة عن رثاء مدينتي التي أُحب. لكن كما صيّرت لنا جداريات أطفال درعا ثورة شعبية عظيمة، فعلى جدران جنوب دمشق كتبنا مرّة:

"إذا لم ينتصر الحق، فكُن موقنًا أنها ليست الجولة الأخيرة"، وجدران سوريا لا تكذب.





30 أيار، 2021.






190 views0 comments

Recent Posts

See All