• sameralnajjar16

قصة البطل المنتحر


أنتصب متوسطاً المطبخ وأقوم بتحريك رقبتي يميناً ويساراً محاولاً طقطقتها ريثما تغلي القهوة محاولاً التغلّب على الأوجاع التي يخلّفها الجلوس وراء المكتب. أنهيت للتو كتابة قصةٍ قصيرةٍ جديدة وتركت نهايتها مفتوحة حيث بقي البطل معلّقاً بين الحياة الموت أمام قرار الانتحار أو عدمه. لقد تركت للقارئ على كل حالٍ حرية تصوّر النهاية على أية حال، بالرغم من أن تصوري الشخصي يقول أن ذلك البطل لن يجرؤ في النهاية أبداً على قتل نفسه. مهما كرّر المحاولة.

ارتجفت يدي بينما أسكب القهوة في فنجاني المفضّل. سمعت لتوّي حركةً بين الأعشاب في الحديقة. رفعت الستارة ونظرت من النافذة سريعاً لألحظ جسماً غريباً قد تحرّك سريعاً واختفى خلف الأشجار، لا بد وأنه سنجاب أو قنفذ.

لقد كتبت نصّي الأخير ذاك في الأسابيع الأخيرة ببطءٍ شديد كما لو أنني كنت أستمتع بتعذيب البطل. خلال الكتابة رافقني شعورٌ بأن ذلك الرجل ليس غبيّاً كما قد يظنّه المرء عند قراءة قصته، لكنّني لم أستطع إظهار شعوري هذا في النص أو تبرير تصرفات تلك الشخصيّة.

توجّهت من المطبخ إلى الحمام وغسلت وجهي وذهبت حاملاً فنجاني مجدّداً إلى غرفة المكتب. لقد بدا لي المّمر الذي يفصل بين غرف منزلي القديم هذا غير منتهٍ وأكثر ظلمةً مما هو عليه عادةً. عند دخولي غرفة المكتب سقط الفنجان من يدي عندما رأيت بطلي ذلك جالساً على الأريكة في مقابلي، كان جالساً هناك متكوراً على نفسه، يغطّي وجهه بكلتا يديه وينتحب بصوتٍ عالٍ. جمّدني الرعب في مكاني ورحت أدمدم: "غير معقول!". لقد استطعت معرفته على الفور دون شك، فهو لم يكن له وجود قبل عدة أسابيع. أنا من أعطيته الوجود. أنا من صنعت ملامح شخصيته المتناقضة وصمّمت جنونه بقلمي بمتعة. لقد جاء اليوم بالتأكيد للانتقام منّي!


الرسمة للفنانة راما الدقاق

قفز من على الأريكة وهاجمني بينما يصرخ: "ما هو غير المعقول؟ لماذا لم تتركني أقتل نفسي؟ لماذا تركتني حيّاً يا هذا؟ لكي يزداد ألمي في كل مرّةٍ تُقرأ فيها قصتي؟ يا لك من ساديٍ حقير! هل تبحث عن شهرتك اللعينة على حساب عذاباتي؟"

فررت أمامه إلى غرفة الجلوس بسرعةٍ بينما هو يتعثر بفنجان القهوة الملقى على الأرض وأقفلت الباب خلفي. راح يضرب على الباب بعنف بكلتا يديه ويصرخ بي أن أفتح الباب ويبكي ويقفز كالممسوس.

إنه في الحقيقة شخصٌ مثيرٌ للاهتمام لم يفهمه أحد ممن يحيطون به. لقد كنت فخوراً جداً بنفسي لاختراعي شخصيةً كهذه. لقد كان شخصاً أحب من قلبه وبكل جوارحه وكان يملك قلباً كبيراً وأحلاماً أكبر وهذا كان ذنبه الوحيد. لقد وقف في نهاية القصة في الممر المؤدي إلى المطبخ حيث بدا له المطبخ بعيداً جداً والممر مظلماً بشكل مرعب. كما كان حالي قبل قليل! بدأ يتذكّر خلال توجهه نحو المطبخ كيف كان يجلس على الأرجوحة بشكلٍ معاكسٍ لجميع الأطفال الآخرين. لقد كان يعطي ظهره لكل الأطفال، تماماً كما يعطي الحياة ظهرَه اليوم. كان يحب خلال رحلة حياته التعيسة إنجاز كل شيءٍ بشكلٍ مختلف، وهذا كان سبب طرده من وظيفته الأخيرة، حيث وصفه مديره بالغبي والأحمق، وأيضاً كان سبب طرد والده له من المنزل قبل ثمان سنوات. لقد كان يكره كل ما هو روتيني وتقليدي وكان يريد في النهاية أن يجعل جريمته تلك خارجةً عن كل ما هو مألوف. ولكن كيف؟ وهل هناك موتٌ تقليدي وآخر غير تقليدي؟ أليس كل الموت في النهاية موتاً؟ لماذا قد يهمه كيف يرى الآخرون موته أو يستقبلونه؟ لكنّه كان يعرف بأنّه سيكون غداً مشهوراً على أي حال، فتلك الفعلة التي هو شارعٌ بارتكابها تشكّل مادةً دسمةً لوسائل الإعلام في مدينةٍ صغيرةٍ هامشيّة كالتي يعيش فيها، حيث لا يملك الصحفيون عملاً كثيراً. لقد كانت الشهرة هدفاً من أهدافه لسنوات. لكنّه لسوء حظّه لن يشهد تلك الشهرة، لأنه بكل بساطة لن يكون موجوداً حينها.

لطالما سمع تلك الجملة التي اعتاد عليها: "لا تريني وجهك بعد اليوم!" وفي كل مرّةٍ كان يسمعها فيها كان يسمعها بشكلٍ أوضح من المرّة السابقة وأكثر قرباً للعويل. المرّة الأخيرة كانت قبل نصف ساعة، عندما قالتها له الإنسانة المفضّلة لديه؛ زوجته، بينما كانت تحمل حقيبتها راحلة. تركت منزلهما الذي سيتحوّل بعد قليلٍ لمسرح جريمة. كان لا يزال متردّداً بعض الشيء ولكن ضرورة الانتحار كانت الأوضح بالنسبة إليه. هذا الشعور بدأ بالظهور قبل عدة أيام عندما أراد الخروج للبحث عن وظيفةٍ جديدة ولكنّه لاحظ أن حذاءه كان مهترئاً لدرجةٍ لم يعد فيها قابلاً للاستعمال. داهمه هذا الشعور عندما كان يشعر بالجوع بينما زوجته ترمقه بطرف عينها باستحقار. لقد أحس نفسه عاجزاً تماماً أمام شعور ازدراء الذات في مجتمعٍ رأسماليٍ تقاس فيه قيمة الإنسان بحسب ما يملك في جيبه.

نظر إلى الممر الذي يزداد ظلمةً بشكلٍ تدريجي، كما لو أن الستائر تسدل من تلقاء نفسها لتصنع جوّاً شبيهاً بنهاية مسرحيةٍ تراجيديّة، حيث شخصيةٌ واحدةٌ تلعب كل الأدوار، ولا مشاهدين هناك إذ في النهاية يصفق البطل الوحيد لنفسه باكياً. المسرح كان إحدى أولى اهتماماته وكان يريد أن يصبح مخرجاً مسرحيّاً. كان يقول دوماً أنه ينظر إلى كل الأمور من وجهة نظرٍ فنيّة.

في هذه اللحظة تذكّر بأن عليه الاتصال بالشرطة، لكيلا يكون مشهد موته آخر فصول المسرحية وليكون هناك على الأقل من سيسدل الستارة. توجّه إلى الهاتف واختار رقم الطوارئ مدّعياً أنه أحد الجيران وأن أحدهم قد انتحر في الشقة المجاورة وأغلق الخط سريعاً.

تنهّد بعمق. لقد أنجز جزءاً من المهمّة. عليه الآن التوجّه إلى المطبخ. لقد أراد المطبخ دوناً عن أي مكانٍ آخر. مشى ومشى دون أن يشعر أنه يقترب. لقد وصل أخيراً ورمى نظرةً من النافذة باتجاه الشارع. كان الشارع لا يزال هادئاً كما كان دائماً. تناول سكيناً كبيرةً من الدرج ورفعها وأغمض عينيه، ثم أنزلها مجدّداً. كرّر محاولاته عدّة مرات وفي كل مرّة كان لا يجرؤ على إتمام الأمر، حتى كسرت أصوات سيارات الشرطة والإسعاف هدوء الشارع.

أنا لم أعد أسمع صوته الآن أبداً. لقد توقف عن النحيب والطرق على الباب فجأة! فتحت باب الغرفة بهدوء وخرجت بحذر. لقد كان قد رحل. ركضت مذعوراً إلى غرفة المكتب. تعثرت مجدّداً بفنجان القهوة، لم يهمني الأمر. أخرجت النص من الدرج وكتبت في الأسفل بيدٍ مرتجفة: "وفي صباح اليوم التالي كانت كل الصحف المحلّيّة قد كتبت اسمه بالخط العريض".


آذار ٢٠٢٠



28 views0 comments

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"