• sameralnajjar16

ذبابة مُلهِمة

"كل شيءٍ على ما يرام، هذا وهم. غداً سيكون كل شيءٍ جيداً، هذا أمل". فولتير


"هذا الوجود مرهق، مرهقٌ وساديٌ جدّاً. تتسلّى الحياة بإيلامي وتسحب منّي كل قدرةٍ على مواصلة العيش كما أسحب أنا الروح بالتدريج من سيجارتي اللعينة هذه، تحوّلني الحياة إلى رمادٍ أسودٍ ثم تنثرني في الفضاء لأتطاير وأندثر".

بينما كان ذلك الطالب التعيس يكتب كلماته تلك في دفتر يومياته حطّت ذبابةٌ صغيرةٌ على الورقة البيضاء بشكلٍ أثار غضبه. هشّ الذبابة بحركةٍ غاضبةٍ فطارت بعيداً عن ناظريه وراحت تبحث لنفسها عن مكانٍ يأويها دون أن يتم هشّها من أحدٍ ما، كما فعل هو.

"هذا تماماً ما تفعله الحياة بي!" فكّر في سرّه. "أركض وأسعى في هذا العالم المجنون مجهداً نفسي في البحث عن محطّةٍ لي، وفي كل مرّةٍ يتم إبعادي، كما أبعدتُ لتوّي تلك الذبابة الصغيرة. لقد كانت تبحث عن موطئ قدمٍ لها وحسب، تبحث عن وطن، كما أفعل أنا تماماً منذ سنوات. يا إلهي كم نحن متشابهان، أنا، وتلك الذبابة" تابع التفكير.

لقد أراد متابعة تدوين أفكاره على الورقة ولكن لعنة تلك الذبابة قد أصابته على ما يبدو، فلم يعد قلمه يكتب. لقد جف تماماً فجأة. حاول هزّه وتحريكه ونفث الهواء فيه مراتٍ عدّةٍ دون جدوى.

نظر إلى اليمين واليسار باحثاً عن مساعدة. على يساره كانت تجلس امرأةٌ صغيرة السن، في منتصف العقد الثاني من عمرها على الأغلب. عيناها بنّيتان لامعتان وشعرها الكستنائي ينساب على كتفيها كشلالٍ من الحنّة. أنفها مدبّبٌ لطيفٌ كما أن ذقنها حادّةٌ بعد الشيء ممّا يعطي وجهها ملامح نبلاء العصور الوسطى، كما منحت أشعة الشمس عينيها بريقاً ساحراً وشعرها لوناً ذهبيّاً لامعاً.

"المعذرة" قال لها فالتفتت نحوه رافعةً شعرها، مسرّحةً إياه خلف أذنها قائلة بصوتٍ لطيف: "تفضّل!". التقت عيناه بعينيها فسرت في جسده قشعريرةٌ غريبة. بعد وهلةٍ من الصمت والنظر إليها سألها بأدب: "هل تحملين معك قلم، يا سيدتي؟". أطالت النظر في وجهه قبل أن تجيبه: "لا. هل عليك تدوين شيءٍ مهم؟" قالت له. "أجل" أجابها بينما يسبح في عينيها اللتان سحرتاه تماماً. "هل فكّرت قبل الإجابة إن كان ذلك حقّاً مهمّاً؟" سألته فراح يفكّر في نفسه "هل ما أريد كتابته مهمٌ حقّاً؟" هل كان جوابه صادقاً؟ من يهتم أصلاً إن كتب يومياته أم لم يكتبها؟ من يقرأها أساساً؟ ولماذا تطرح تلك الفتاة سؤالاً كهذا؟ من تكون؟ إنّه يكتب ببساطةٍ منذ سنواتٍ دون أن يفكّر يوماً بدافعه للكتابة، ربما السبب لأنّه كان لديه الكثير والكثير ليخبره عن نفسه وحياته ولكنّه لا يريد أن يخبره لأحد في نفس الوقت، ولأنّه عند الكتابة يشعر بحرّيّةٍ تامّة. طالما كان لديه شعورٌ بأنّه مضطرٌ للنفاق في علاقته مع البشر الآخرين، كما كانت تلك العلاقات ليست أكثر من قيودٍ وعوائق في وجه صدقه وشفافيّته. لقد كان عليه تغيير وجهه بتغيّر الأشخاص الذين يقابلهم، وإلّا سيخسرهم ببساطة.




نهضت الفتاة وجلست على الكرسي المقابل له بينما ترفع شعرها المنسدل على وجهها بيدها اليمنى، وأغلقت الدفتر المفتوح أمامه. نظر إليها بتعجّبٍ فسألته: "لم أنت وحيدٌ هنا؟" سحب دفتره نحوه بشكلٍ اعتباطي دون النظر إليه فحدّقت به واستطردت بينما تأخذ الدفتر بين يديها: "وماذا تكتب في هذا الدفتر؟ وحدتك أم حزنك؟ دعنا نتوقّف عن ذلك!". تابعت الفتاة كلامها قائلة: "هل انتابك يوماً ما شعورٌ بأنّك غير مرغوبٍ بك؟ بأنّك أحببت مكاناً ما وأردت البقاء ولكن ذلك لم يكن متاحاَ؟ لقد أبعدتُ لتوّي ذبابةً حطّت على طاولتي وسألتُ نفسي بعدها، لماذا فعلتُ ذلك؟" راح الشاب ينظر إليها بتعجّبٍ كونه قد فعل ذات الأمر قبل دقائق.

"نحن البشر، نقدم أحياناً على أفعالٍ لا ندري ما الهدف منها" أكملت كلامها بينما تتفحّص الصفحات الأولى من كرّاسته بلا اهتمامٍ كبير. كان الشاب بدوره ينصت للفتاة في الوقت الذي يكبر فيه فضوله شيئاً فشيئاً. "لقد بردت قهوتك، هل نطلب فنجاناً جديداً، واحداً لكلٍّ منّا؟" سألته بينما تتحسّس فنجانه بكلتا يديها. "بكل سرور!" أجابها الشاب بحماسٍ كبير.

لقد كانت الشابّة الحسناء تتحدّث ببطءٍ وبنبرةٍ منخفضة. على الرغم من أن كلامها كان ينمّ عن نضوجٍ وثقةٍ كبيرةٍ بالنفس إلّا أنّها كانت تتفوّه بالكلمات بصوتٍ مرتجفٍ وبمنتهى الهدوء، وكانت نبرة صوتها تنخفض مع كل كلمةٍ، حتّى كان بالكاد يستطيع التقاط الكلمات في نهاية كل جملة.

كان يكتب لأن لديه الكثير والكثير ليخبره عن نفسه وحياته ولكنّه لا يريد أن يخبره لأحد في نفس الوقت، ولأنّه عند الكتابة يشعر بحرّيّةٍ تامّة.

هبّت نسمةٌ باردةٌ لطيفةٌ وبعثرت شعرها فراحت تسوّيه بأصابعها كأنّها تعيد ترتيب العالم الغارق في الفوضى وترجعه إلى طبيعته الأولى. نظرتْ مجدّداً إلى كرّاسته وقالت: "أظن أنّني أستطيع قراءة ما في قلبك عن طريق عينيك بشكلٍ أفضلٍ بكثير. هناك تكمن الحقيقة، وليس في هذه الكرّاسة، بل حتّى إن كلماتك الفجّة التي تدوّنها هنا تناقضك تماماً!" واستطردت مبتسمةً بعذوبة: "أعتقد أنّك كاذبٌ جيد، أيّها الغريب". لقد كان الشاب يحاول جاهداً إخفاء اندهاشه أمام كلماته التي سحرته، إلّا أن تعابير وجهه لم تكن لتنصاع لسيطرته، فراحت تفضح ما اعتمل في قلبه من إعجاب.

"بعد توقّفها عن الكلام بشكلٍ بات معتاداً بالنسبة إليه تابعت بثقةٍ أكبر قائلة: "أنت تكذب على نفسك، يا صديقي! أنت تريد إذابة نفسك في وحدتك هذه لعدم ارتياحك لكل ما يحيط بك. ولكن نجاتك بين يديك. عليك أن تعلم أن عالمنا هذا لم يكن يوماً كاملاً، ولا ينبغي له أن يكون. السعادة الرضا تكمن في تلك القناعة. الأسعد بين البشر هو ذلك الذي يتقبّل العالم بكل ما فيه من فوضى وتناقض، ونقص. هذا قد يبدو لشخصٍ مثلك كلاماً نظرياً فقط، ولكنّها الحقيقة. بماذا سيفيدك متابعة مواصلة قياس كل شيء حسب مقاييسك الخاصّة؟ هذا لن يجلب لك سوى المزيد من الحزن والأسى وحسب. لن تصير إلّا أكثر حزناً وستغرق أكثر وأكثر في وحل حزنك هذا". "من أنتِ؟" سألها بنبرةٍ عالية. "أنا لست إلّا صورةً عن هذا العالم الناقص الذي دائماً ما كان أبعد ما يكون عن الكمال. إنسان عادي. ابنة هذه الحياة، التي قاست الكثير ولكنّها تعلّمت أيضاً" أجابته.

امتزج الخوف والاهتمام في عينيه فراح ينظر إلى الشابّة بحذر. "لطالما كان علي أن أقاوم مثاليتي" تابعت الفتاة: "لقد كنت أرى كل شيءٍ يحيط بي غير ذي معنىً وسعيت لتغيير العالم بكل ما أوتيت من قوّة. ولكن عليك أن تعلم بأنّني لم أرد أن أكون الناجية الوحيدة في نضالي ذاك، بل كنت أريد اصطحاب ضميري وإنسانيتي معي إلى بر الأمان. أنت تعذّب نفسك يا صديقي. صدّقني، إن بقيت الصورة معلّقةً على الجدار بشكلٍ مائلٍ قليلاً فلن ينتهي العالم. أنت تجهد نفسك ساعياً وراء قشورٍ كتلك، حتّى تلحظ متأخّراً بأنّه قد فاتك الكثير"

ابتسم الصبي بسخرية. لقد كان من الواضح بأنّه لن يقتنع بتلك السهولة. لقد كان يعيش حياته كلّها على تلك الشاكلة. غارقاً في وساوسه ومخاوفه وقلقه، وساعياً وراء الكمال. لكن تلك الفتاة كانت تتحدّث بشكلٍ سحره كما لم يفعل أحدٌ من قبل. كانت تتحدّث عنه كأنّها تعرفه أكثر من نفسه. لم يفكّر مرّةً في تغيير طريقة حياته تلك ولم يخطر له لمرّةٍ واحدةٍ أن يسأل نفسه إن كان ذلك راشداً أم لا. لطالما كان لديه شعورٌ في صدره بأنّه كان ينتظر شيئاً ما. "أنا أنتظر اللا شيء" قال في سرّه، وكأنّه كان يساعد الفتاة في عملية إقناعه.


"لطالما كان علي أن أقاوم مثاليتي. لقد كنت أرى كل شيءٍ يحيط بي غير ذي معنىً وسعيت لتغيير العالم بكل ما أوتيت من قوّة".

وكأنّها كانت تقرأ أفكاره انبرت قائلة: "أنت تنتظر عالماً أفضل. تريد رؤية كل شيءٍ كما يجب أن يكون ولهذا يصطادك الحزن كفريسةٍ سهلةٍ في كل مرّة ويعطيك الخيبة تلو الأخرى، لأنّه ببساطةٍ لن ينصاع لك". أحسَّ بأنّه يعرفها منذ بدء الخليقة. لقد كانت الفتاة تطابق كل تصوّراته عن المرأة الكاملة التي طالما حلم بها. نظرت إليه بعينين لامعتين وبقلبٍ متقدٍ وكأنّها تقول: "أبادلك ذات الشعور!"

ما كان يبقيه على قيد الحياة كان أمله إيجاد الحب الذي لطالما قرأ عنه. الحب الرومنسي والدرامي، السريع وغير المتوقع، المتمرّد والمدمّر. في السنوات الأخيرة لم يعد يبحث عن الحب كما كان سابقاً، منذ أن صار يقرأ عن الحب أكثر، ويكتب عنه أيضاً. كما كان يكتب لفتاة أحلامه رسائلاً غراميّةً أحياناً دون أمل. لمعت في رأسه الفكرة كالبرق، كل ما كتبه لفتاة أحلامه يليق بالشابّة الماثلة أمامه: "لا يمكن لهذا أن يكون حقيقةً!" قال في نفسه بينما كانت هي تقرأ في كرّاسته وتعلو وجهها ابتسامةٌ جذّابة.

لطالما كان يخشى الغرباء، كسلحفاةٍ صغيرة. كلّما اقترب أحدٌ منها، وإن بنيّةٍ طيّبةٍ لمداعبتها أو إطعامها، اختفت داخل درقتها لعدم ثقتها بمخلوقٍ على الإطلاق. هكذا فوّت كل فرصةٍ في الحب سابقاً. لكنّه يومها لم يرد أن ينزوي داخل درقته. لم يعد يريد لعب دور الضحيّة كما كان. بل أراد شيئاً واحداً فقط؛ الحب. لم يستطع في السابق أي شيءٍ تغييره، حتّى الأصدقاء حاولوا جاهدين مساعدته دون نتيجة، لكن تلك الفتاة نجحت ببضعة نظراتٍ في تغيير كل شيء. كان حديثها إليه بمثابة ضربةٍ تلقاها على رأسه تسبّبت له بفقدانٍ في الذاكرة. لقد نسي كل وعوده التي قطعها على نفسه بعدم الاستسلام سريعاً أمام مشاعره.


لم يعد يريد لعب دور الضحيّة كما كان. بل أراد شيئاً واحداً فقط؛ الحب.

كان كما كأنّه قد وُلد لتوّه من جديد. كأنّه قد حصل على فرصةٍ ليحيا حياةً أخرى. كل ما كان يدور في رأسه في تلك اللحظات كان سؤالاً واحداً أراد طرحه عليها: "هل لي بحق الاحتفاظ بمشاعري تجاهك يا عزيزتي؟" نظر إليها وتنفّس نسمات الهواء التي حملت رائحة شعرها الذي يتطاير بعمق، ففاجأته بقولها: "أجل!"

صحا من غفوته اللحظيّة بينما كانت الفتاة على الطاولة المجاورة تلوّح له بقلم حبرٍ أحمرٍ بيدها وتقول: "المعذرة سيّدي، تفضّل! أم أنّك لم تعد بحاجة القلم؟!"

أخرج الشاب محفظته بارتباك، دفع ثمن قهوته الباردة، نظر إلى الفتاة الجميلة على الطاولة التالية بابتسامةٍ حزينة واتجه إلى منزله ليتابع الكتابة عن الذبابة بينما يعدُ نفسه بعدم هشّها في المرّة التالية.

نيسان ٢٠١٩

0 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"