قتل الحرية الفردية

Updated: Jun 12, 2019

بقلم: Aamer


تطورت المجتمعات الانسانية من مرحلة طبيعية بدائية إلى حالة متقدمة تطورت ببطئ خلال العصور الوسطى حتى جاء عصر الثورات الغربية الذي غير كل شيء في شكل المجتمعات القديم، وبما أن أهم مبادئ الثورات كان الحرية، فقد انعكس هذا المبدأ على شكل المجتمع الجديد، وظهر تمركز جديد للمجتمع ينطلق من الفرد وإليه، وهكذا ظهرت الفردانية الاجتماعية التي تعني الحقوق الفردية، أصبحت الشعوب الأوروبية بحركة تطور مستمرة، بسبب التنوع الكبير بين الأفراد واتخاذ كل منهم سلوكه الاجتماعي الخاص وحركته الاقتصادية الخاصة والتشاركية مع باقي الأفراد في نفس الوقت في سوق تنافسي متساو، تعددت الأفكار والحركات الإبداعية لتتجاوز نمط المجتمع إلى ملايين الأنماط التي تعود لملايين الأفراد، بعكس حال الفرد في الحالة السابقة، كما أصبح الفرد مشاركاً في السياسة وتشكيل الرأي العام وأصبح يشارك في صناعة المستقبل والتخطيط الاستراتيجي للدولة، والتشريع وضمان الحريات والانتخابات على كل مستوياتها، وبدون إنكار دور الرأسمالية في هذا التطور، لكن مع حرية الفرد تقدم الاقتصاد وزادت المنافسة وانتعشت المجتمعات التي حققت هذه الظروف بشكل لا يصدق وبسرعة البرق.


عند دراستنا للحرية غالباً ما نتوقف عند تصورات محدودة في أشكال عملية ظاهرية لها كالانتخابات وحرية الرأي بدون الأخذ بعين الاعتبار أبعادها الاجتماعية، الحرية الفردية هي تحويل المجتمع من كتلة بشرية واحدة بصفات وسلوكيات ونفسية متشابهة إلى ملايين الأفراد الأحرار الذين يفتحون ملايين الأبواب للتنوع والإبداع الفكري والاقتصادي والسياسي وعلى كل المستويات الأخرى، الفردانية هنا هي التحرر التام من كل القيود وإعادة توزيع الأفراد في كتل اجتماعية جديدة يكون فيها دوره أكثر فاعلية، بحيث أن لا يبقى ضمن انتماءات متوارثة تقتل دوره الإبداعي في مكان آخر، وهي ليست قتل روح الجماعة بل هي أن يتعلم الأفراد من جديد كيف يساندون بعضهم بعضاً بدون أن يخضعوا لضوابط اجتماعية بالية كانت تهمّش دورهم وتجعلهم مجرد أتباع لا يملكون أي دور في التفكير العام والمشاركة في صنع القرار، بل حتى لا يملكون فرصة المشاركة في صناعة الرأي العام الذي يمثلهم.

"الطبيعة ليست آلة تبنى وفقاً لنموذج ما ولتؤدي بالضبط العمل المقرر لها، إنما هي شجرة تحتاج لأن تنمو وتطور نفسها في جميع الجوانب، وفقاً لتوجهات القوى الداخلية فيها والتي تجعل منها شيئاً حياً." جون ستيوارت ميل

تعاني المجتمعات العربية عموماً من قيود العادات والموروث الديني والجمود العام في الفكر والثقافة بشكلها الجمعي الذي يحارب حرية الفرد حتى على المستوى المحدود بحيث أنه لا يمكن للفرد أن يتفرد في إبداعيته ويبقى مجبراً على الخضوع لنمط المجتمع وقيوده، وفي سوريا تحديداً تحول المجتمع إلى الفردانية السلبية بحيث ضعفت العلاقات الاجتماعية والمفهوم الوطني والقومي والهوياتي، بفعل الجماد الذي أحدثه النظام بحيث يكون الفرد رقماً يحدد واقعه ومهامه ودوره ومستقبله الآخرون، الفرد السوري كائن بلا مسؤوليات حقيقية، تعطل دوره في الحياة المدنية والمجتمع وتحديد مستقبله والمشاركة بتحسين واقعه، وبنفس الوقت كان مجتمعاً تزداد تعقيداته الاجتماعية الثقافية بحيث يبتعد عن التحرر، وتحت سلطة الفاشية الأسدية، حتى الرأي العام يحدده الطاغية، هو رأي عام من صناعتهم، هو إملاءات على الجميع اعتقادها وتبنيها لا أكثر.

المجتمعات تتحرك نحو الأمام دائماً، تتطور بفعل الضرورة والديكتاتورية أو الديمقراطية لا تفعل سوى أن تبطئ التقدم أو تسرعه، ولكنها مهما فعلت فهي أقل من إيقافه، ولكن عندما كانت المجتمعات تتحرك بسرعة متفاوتة كانت حركة المجتمع السوري قد قتلت تماماً لا بل أسوأ من ذلك عندما تم تحطيم البناء القديم السابق لفترة الأسد والعودة بالمجتمع السوري لحالة أسوأ من حالة الطبيعة، يمكن توصيفها بأن أصبح المجتمع سجيناً تماماً فاقداً للحراك عاجزاً عن القرار متبلداً خاضعاً حتى النخاع، ولم تكن ثورة 2011 في حساباته، بل صدمت الجميع، ليس فقط لأن الحراك الإقليمي ألهمها، بل لأن سلوك النظام أجبر جيلاً كاملاً على الانتفاضة، جيلاً ربما نشأ على ذلك الخضوع السابق، ولكنه لم تنضج حالة الخضوع تلك تماماً في ظل عصر مختلف تماماً ترسم ملامحه وسائل التواصل والانترنت.


"المصدر الوحيد الدائم للتحسن هو الحرية، لأن هناك، عن طريق الحرية، عدداً من المصادر المستقلة المحتملة للتحسّن بقدر عدد الأفراد." جون ستيوارت ميل

جون ستيوارت ميل

الحرية الفردية تصنع مناخاً جديداً عابراً للانتماءات السابقة، وهي ما يجعل مزيداً من الناس يشعرون بكرامتهم، ويرتبط هذا الشعور بكرامة الفرد لا الجماعات، فتصبح كرامة أي فرد في هذا المجتمع هي كرامة الجماعة، يقتل هذا الارتباط الاستثنائي بين الأفراد العنصرية والتعصب الديني، ويبني ارتباطات وعلاقات اجتماعية جديدة تتجاوز الحالة القديمة.

خطر الفردانية على الديكتاتوريات كبير أيضاً، عندما تتحول المهمة من السيطرة على كائن اجتماعي عملاق يتشابه في رأيه وسلوكه وقراره إلى السيطرة على ملايين الآراء والمواقف، ومن السيطرة على مجتمع إلى السيطرة على ملايين المجتمعات، لأن الفردانية هي أن يصبح الفرد بحجم المجتمع.


"النظام لا يحكم سوريا بالقوة وحدها، وإنما بالهيمنة الأيديولوجية التي تحظر، عبر مفهوم فوقي للوطنية، تناول المشكلات الطائفية أو التفكير العلني بها، بينما هي تمارس الطائفية والتمييز الطائفي طوال الوقت." ياسين الحاج صالح

ياسين الحاج صالح

يمكننا شرح أبعاد الهيمنة الأيديولوجية بأنها هيمنة على صناعة الرأي العام، وهيمنة على عملية تطور الثقافة ومساراتها عن طريق الهيمنة على كل مفاصل النخبوية في سوريا، لقد اخترق النظام هذا المجتمع حتى النخاع، فلم يحارب النخب فقط بل اخترق عملية صناعة النخب الطبيعية وأخضعها لضوابطه الوضعية، فاخترق المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية والاقتصادية وحتى العشائر وجمعيات الفلاحين والنقابات المهنية والأحزاب السياسية، بحيث لم يعد لهذا المجتمع من بريق أمل للتحرك الحر اللحظي حتى إلا وكان تحت هيمنة النظام تماماً، قامت هذه الفاشية باختصار هذه المجتمعات العريضة بتنوعها الثري وغناها الثقافي والتي تملك قابلية كبيرة للإبداع والتطوير إلى مجتمع واحد فقط، مجتمع واحد يشبه الأفراد فيه بعضهم، بلا حرية فردية ولا حتى حرية للمجتمع، بحيث أنه تم قتل الفرد وقتل المجتمع، وأصبح كائناً عملاقاً يشكل الفرد فيه رقماً لا يغير من النتيجة شيء، وحتى المجموعات القديمة فيه تم السيطرة عليها وإخضاعها لنفس النمط الاجتماعي مع إعطائها فرصة لتعتقد غير ذلك، فزاد انعزال الجميع عن الجميع، حتى مع تشابههم المفرط.

"القومية العربية المطلقة هي القالب الذهني الأساسي والطبقة الأعمق من تسويغات الفاشية السورية، فيما الطائفية هي مصدر التغذية الانفعالي الذي يشحن الفاشية السورية بالهوى والعاطفة ويؤسس للتفاصل بين السكان، أما الامتيازات الطبقية البرجوازية الجديدة فهي المصلحة التي يجري الدفاع عنها." ياسين الحاج صالح

يسود الاعتقاد العام أن النظام يقوم على الطائفة و يعطي الامتيازات لها دون غيرها فلا أعتقد بصوابية هذا الرأي، نعم النظام أعطى الامتيازات لمجموعات اجتماعية دون غيرها ولكن لم يفعل ذلك إلا بعد أن أخضعها، أخضع الجميع وسيطر على الجميع وقتل المنافسين مهما كانوا صغاراً، ليس المنافسون على الحكم فقط بل حتى المنافسين على المجموعة الأصغر، أصبحت كل مجموعة لا تتبع لغير السيد الأعلى، وقتل التنوع الاجتماعي وقتلت الأقليات والأغلبية واستحال كل شيء إلى ذلك المجتمع الكائن، الكائن الواحد المتشابه، لقد سيطر النظام على الجميع وتعامل مع كل مجموعة بطريقة مناسبة، حتى استطاع ضم الجميع للقطيع، استخدم الأقلية ليقتل الأغلبية واستخدم الأغلبية للسيطرة على الأقلية واستخدم الوطنية لقتل الدور التاريخي للمشيخة العشائرية لا العشائرية بل استخدم العشائرية لقتل الوطنية وتمزيق الجسد واستخدم القومية لقتل القوميات الأخرى واستخدم القوميات الأخرى لقتل شرعية المطالبات الحقوقية، استخدم الجميع ضد الجميع حتى بات هو السيد الوحيد.

ببساطة تحول الفرد في هذه الفوضى إلى كائن تبعي لا يمكنه العيش بمفرده، ولا يمكنه العيش حتى مع المجتمع، بدون السيد الأعلى، مع كل المساحة الأضحوكة لحركة الأفراد والمجموعات كانت عين النظام تراقب كل شيء وتقتل أي محاولة للخروج عن السيطرة، أو حتى للإبداع، فالإبداع هو خروج عن سيطرة السيد إلى حرية الفرد، عندما وُضع هذا المجتمع في مواجهة مصيره، دخل المجتمع في مرحلة الفوضى، ضاع الجميع وظهرت علامات المجتمع السابق على الفرد الذي أصبح غير قادر على التعامل مع باقي الأفراد وحتى المجتمعات الصغيرة المحلية أصبحت غير قادرة على التعامل مع ذاتها، عجز الجميع عن التفكير الجمعي أو اتخاذ القرار، كانت هذه سمة المشهد والنتيجة الطبيعية الضرورية لصناعة الفاشية الأسدية، عندما قتلت المجتمع والفرد معاً.

الفردانية تبدأ باستقلالية وحرية الفرد التامة أمام الثقافة الجمعية والتحرر من قيود العادات والتقاليد والمفاهيم الجمعية، وضمان استقلال الفرد الاقتصادي رجل وامرأة وضمان حق الملكية والاعتقاد والتعبير، وأرى شخصياً وبعيداً عن الواقع السياسي، أن الحل الوحيد لقتل كل تراكمات البؤس والوبال والقبح التي تنخر المجتمع السوري الدينية والقبلية والمناطقية والطبقية هي الحرية الفردية التي تعطي كل فرد كرامته وحريته، وتعطيه مساحة السلوك الاجتماعي الحر، عندها سيتحرك المجتمع بطريقة أكثر سرعة وحيوية نحو تجاوز تلك التراكمات بل وقتلها، وتتشابك العلاقات من جديد بطريقة مختلفة سليمة وإيجابية وبناءة وإبداعية.

تنتفي الديمقراطية والحرية عندما تغيب الحرية الفردية، الحرية الفردية التي تعطي كل إنسان حقه في اختيار طريقة حياته وحقه في اختيار من يحب ومن يعبد وحقه في المشاركة في صناعة الرأي العام وتجاوز كل التراتبات الاجتماعية، إذا غابت هذه المفاهيم عن مدعي الديمقراطية أو عن المفهوم العام للديمقراطية فقد غابت روح الحرية ومغزاها وأصبحت الديمقراطية مجرد طريقة إدارية سياسية جديدة ستفشل بسرعة لأنها ستسقط بسرعة في صراعات المجتمع الثانوية، المعادلة بسيطة، إما استمرار هذا الدمار الاجتماعي أو ترسيخ مفاهيم الحرية الفردية عند المجتمع.

"لا يحق لأحد أن يلزمني بأن أكون سعيداً وفقاً لمفهومه لسعادة الآخرين، لأن كل فرد قد يسعى لتحقيق سعادته بالطريقة التي يجدها ملائمة له، ما دام لا يتعدى على حرية الآخرين في السعي لتحقيق أهداف مماثلة، وهي الحرية التي يمكن مواءمتها مع حريات الآخرين في إطار القانون العام، أي أن عليه أن يعطي للآخرين الحقوق نفسها التي يتمتع بها هو." إيمانيويل كانط

إيمانيويل كانط

لطالما طُرحت الحقوق والحرية الفردية كجواب على الحرية الجمعية، ولطالما مثلت الحرية الفردية مجرد شكل جديد حداثي للمجتمعات يطمس الحقوق الجمعية التي كانت تمثل "حرية القدماء" التي كان المجتمع يتدخل بها في كل صغيرة وكبيرة في سلوكيات الفرد ويخضعه إخضاعاً تاماً لخصوصيات هذا المجتمع، فإذا كان القدماء يختصرون الحرية في حرية قرار الجماعة والشخصيات النافذة فيها في تحديد سلوك المجتمع والدولة، فالحرية الفردية هي حرية الفرد وجبروته أمام الموقف الجمعي من أي قضية، وحقوقه الكاملة أمام الدستور، وطريق المجتمع الوحيد نحو كسر الجمود والتقليد والتحول نحو مجتمع متعدد الأشكال والثقافات والأفكار والأنماط بقدر عدد أفراده، مجتمع متحرك نحو التقدم دون توقف، يراقب ذاته ويطورها ويحميها في هذا الإطار.


"يبدو أن شعباً ما قد يسير في طريق التقدم لفترة معينة من الزمن ثم يقف؛ متى يقف؟ عندما يتخلى عن الفردانية." جون ستيوارت ميل
0 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"