خلف الكاميرا أمام العدم

Updated: Aug 16, 2019

كنت أحضّر في شتاء عام ٢٠١١ لامتحان الجامعة مع أحد أصدقائي في منزله، الطقس العائلي في منزلنا يقتضي أن التلفاز محرم أيام الامتحانات لكن عبر الصندوق الأسود في بيت صديقي تمكنت من متابعة مظاهرات تونس، استلب المشهد عقلي، هل عقلي انقلب أم أن التاريخ ينقلب أمام عيني؟ هل بوسع الشعوب العربية فعلًا أن تخرج وتتمرد على جلاديها؟ كرّت مسبحة الثورات العربية وبدأت علامات الترقب لحدث مشابه لدينا. درعا خرجت أولًا، تلتها حمص. كنت متحمسًا لكن أيضًا مرتابًا وقلقًا.

لم يسبق لي أن صليت الجمعة في جامع خالد بن الوليد. لكن يوم الجمعة 18 آذار ذهبت للصلاة هناك مدفوعًا بشعوري بأن شيئًا ما سيحدث، صدق حدسي وفعلًا خرجت مظاهرة هناك وبدأت الحناجر تصدح بالحرية. شعرت برغبة كبيرة في الانضمام للحشد والصراخ. لكن عميقًا في داخلي أحسست أن واجبي هنا هو أن أصور وأنقل الحدث لا أن أشارك فيه. تراجعت خطوات إلى الوراء رفعت موبايلي وتركت العدسة تلتقط ما يحدث.

لم تمر عشرين ثانية إلا وشعرت بيد من خلفي تمتد وتحاول سحب هاتفي. رجل ضخم الجثة لديه سحنه رجل مخابراتي، خبأت الموبايل وتظاهرت بأنه لا شأن لي وأسرعت بالهرب. اندفعت قوات حفظ النظام إلى المسجد، ياقاتل يا مقتول. حاولت أن أنفد بريشي ولكن شيئاً ما داخلي دفعني للبقاء والتصوير. التعامل الوحشي مع المتظاهرين، الاعتقالات العشوائية وزج الناس في الباصات وضربهم بالهراوات. لا بد أن يرى العالم ماذا يحدث في جامع خالد في حمص. لا بد أن ينقل أحد ما ما يحدث. كانت هذه أول عملية تصوير لأول مظاهرة في حمص. وربما أول محاولة تصوير مظاهرة في حمص كلها. حاولت مرارًا رفع الفيديو على خدمة شاهد التي كانت الجزيرة قد أضافتها إلى موقعها. لكن مقهى الإنترنت كان يوقف العملية. الخدمة محجوبة من المقهى.


علاقتي مع الكاميرا


بدأت علاقتي مع الكاميرا مبكرًا، كنت في الصف الثامن الإعدادي عندما بدأت باستعمال الكاميرا التي تلقتها عائلتي كهدية. أحياء حمص القديمة كنت تأسرني ويحزنني التجاهل الذي يحيط بها. إهمال البلدية لتاريخ المدينة وأبنيتها القديمة كان يستفزني. دراسة العمارة كانت حلمي وطريقي لحماية الجمال من طغيان البشاعة و”التنمية"، أو هذا ما كنت أعتقده. العدسة بالنسبة لي سلاح مقاومة أمام الذين يهدمون الحجر الأسود ليستبدلونه باسمنت غبي. كنت كل حين وآخر أقوم بمغامراتي الاستكشافية للجمال ولتخليده.

مع بدء الثورة بدأت علاقتي مع الكاميرا تأخذ منحى آخر، منحى تاريخيًا. وراء الكاميرا كنت أشعر بمسؤولية كبيرة، بأدرينالين في دمي وقشعريرة في أصابعي. تصوير الحروب والثورات لا يقتصر فقط على اختيار الزاوية الصحيحة وتقسيم الصورة وضبط إعدادت الضوء ودقة الكاميرا. وإنما يشمل حساب الخطر واختيار المكان الذي لا تلتقطك فيه رصاصة القناص وحدقة الجندي على الحاجز ورجل المخابرات.

المظاهرات في المدن كانت تتصاعد بشكل أُسِّيَ ومعها خبرتي العملية والثورية. كل مرحلة كانت تعتبر حقبة زمنية لي. شاركت في المظاهرات الكبيرة التي اشتهرت بها حمص وبالاعتصامات وكانت العدسة رفيقتي. تلتها حقبة المظاهرات الطيارة التي كانت أحد التكتيكات الثورية التي تقتضي تنظيمًا أكبر والتزامًا. كنا نتفق على المكان والزمان، نهتف ونصور وننفد بريشنا دون أن يتمكن النظام من أحد منا. سلميتنا كانت قوتنا وكنت مؤمنًا بها أكثر من أي شي في حياتنا آنذاك.

في رمضان بدأت مرحلة المجازر التي لايحتملها العقل. القنابل اليدوية والمسمارية. كنت أرى رفاقي يتساقطون شهداءَ أمامي، وأحيانًا بين يدي. كل مرحلة كانت تجبرنا على أن نلتف ونتحايل حولها. ثم بدأت مرحلة استقلال بابا عمرو وهنا بدأت أعيش مرحلة الازدهار كمصور.

كنت أصور مشاهد الاستقلال، تفاعل الناس معها وفوارغ الرصاص والزجاج المكسر المتساقط على الأرصفة، بدأت الناحية الفنية تظهر في صوري وصرت أشاركها مع الصفحات الحمصية التي تتناول الوضع الميداني.

لم أستطع استبدال العدسة بالسلاح ولم أستطع أن أجد نفسي أو أتخيلها خلف رشاش، آثرت أن أشغل نفسي بالعمل التطوعي الإغاثي وبمتابعة التغطية. لكن بعد أن حاصر النظام حمص حصاره الكبير تقيدت حركتي كثيرًا. حملات الاعتقالات الهائلة لم تكن تثتني إلا من رحمه ربه. في المناطق الآمنة بحسب النظام كانت الدبابات تملأ الأحياء. وبدأت أصور هناك، خوف ورعب وأدرينالين!


عدسة شاب حمصي


هنا ظهرت ”عدسة شاب حمصي“. إنها المبادرة التي كان علي أنا إطلاقها. شعرت بنوع من الغيرة وبالحماس للانضمام، عرفت أنهم موجودون في الداخل، فالصور كانت تأتي من حمص القديمة. فكرت كيف يمكنني أن انضم إليهم؟ تواصلت مع الصفحة وأرسلت لهم بعضًا من أعمالي ونشروها لديهم. بعد فترة قصيرة من الأخذ والعطاء أصبحت أحد أعضاء الفريق في الأحياء الآمنة. في مقهى الإنترنت التقيت المسؤول عن الصفحة صدفة، كنت أريد أن أرسل الصور إلى الصفحة فأعطيته أياها مباشرة. حمص صغيرة والكل يعرف الكل!

الحصار يضيق والحياة متوقفة. أصبح لدي الكثير من الوقت لأعطيه للعدسة. ”عدسة شاب الحمصي“ صارت تكبر كل يوم وأصبحت أكبر صفحة تصوير في حمص والمصدر الأول لكل من يريد صورة، يبحث عن منزله، أو يريد أن يعرف الأخبار الميدانية. خصوصأ من المغتربين.

حضرت دورسًا في التصوير الاحترافي على شبكة الإنترنت وبدأ عملي يتجاوز مجرد التوثيق إلى الاهتمام باللمسة الجمالية وبتفاصيل الصورة. حصلت عبر المجموعة على كاميرتين أكثر احترافية. تركيز العدسة وقدرتها على التقريب كان مذهلًا وهنا بدأت نوعية صوري تزدهر وعملي يصبح أسهل. يمكنني أن أظهر أدق التفاصيل دون أن اضطر للاقتراب كثيرًا من ما أريد تصويره. لم أعد محكوماً بزاوتين أو ثلاث. انفتح لي أفق التصوير. أما الكاميرا الثانية كانت مزودة بالقدرة على عزل الخلفية أعطت صوري مزيدًا من التألق. وبدأ الانزياح نحو الجمالي إلى جانب التوثيقي يزداد.


رقص مع الموت والنار


في أحد الأيام كنت أصور مقطع فيديو توثيقيًا مع صديقي، التقطت عدسة القناص عدستي وقنص باتجاهنا أنا وصديقي. مرت الطلقة من بيننا. رأيناها وسمعنا صوتها. لحظة عدم تصديق. لحظة ذهول. تلتها دقائق كثيرة من الضحك الهستيري. لقد نجونا مرة أخرى!


التصوير مخاطرة هائلة، خصوصًا في المناطق التي تخضع لسيطرة النظام. كنت أراقص الوحوش مع عدستي وألتقط من خلف ظهورهم المشاهد التي أريد أن يراها الناس وتبقى للتاريخ. الكلمة مهمة لكن الصورة تنطق أعلى، الفيديو يوثق لكن ليس بوسعك أن تضعه خلفية جهازك أو صورة على حائطك أو ترسلها مطبوعة. كنت أؤمن بأهمية الصورة ولكن في حمص كانت الحاجة أكثر إلحاحًا والخطر أكبر بكثير. مصوري العالم يصورون ويتعبون لكي يحصلوا على الصور العظيمة. لكننا هنا نعرض أنفسنا للخطر الحقيقي. للموت تحت التعذيب وللتراكم فوق بعضنا وفوق الجثث.

كانت استراتيجيتي في تصوير الحواجز هي الصعود إلى المباني، البحث عن النافذة ذات الزاوية الأفضل، مد يدي والعدسة والتقاط الصورة. أحد الحواجز في مدينتي كان مستحيل الوصول لأنه كان في ساحة مكشوفة، شهر كامل وأنا ألف وأدور حوله باحثًا عن مكان لتصويره أو مكان يطل عليه ولم أجد. قررت أن أغير استراتيجيتي وأن أصوره من منطقة موازية بدل أن أصوره من علو. جلست على دوار قريب منه معي موبايلي وحاولت أن أبدو كمن يلعب بلعبة على جهازه، فتحت الكاميرا وبدأت أحدد العناصر. عبر العدسة شاهدت حدقة عين أحد العساكر كجهنم تنظر إلي من خلال العدسة. رفعت رأسي لأتأكد فوجدته يركض نحوي، شمعت الخيط وركضت حتى كادت تلتصق ركبتي بحلقي، أضاعني بين الحارات التي أعرفها كخطوط كفي. فقد العسكري أثري ونجوت من الموت دعسًا تحت الأقدام.


لم تكن تلك المخاطرة الأكبر. المخاطرة الحقيقة التي كادت توديني وراء الشمس عندما حاولت تصوير المشفى الذي استعمله النظام كمقر لقواته، جنود النظام كسروا الأجهزة الطبية في المشفى (أثناء اقتحامهم الحي). أحد سيارات الاسعاف في المشفى تفجرت بشكل كلي، المكان يقبع في مربع أمني مستحيل الوصول والتصوير. بعد حصار المكان بأشهر وبعد أن ثبت النظام مناطق تمركزه وبدأت وتيرة القصف تخف نسبيًا، قرر سكان الحي إعادة تأهيل المشفى وترميمه. الزجاج كان أول ما فكروا بإصلاحه. تم استجلاب عمال للقيام بترميم الزجاج. عندما رأيتهم طلبت من المسؤول أن أكون معهم لكي أصور. سخر مني فأخبرته كم أحتاج لذلك بشدة. أخبرني أن الذهاب إلى هناك على مسؤوليتي وهو غير مكلف بي ولن يمد يده لمساعدتي مهما حدث. لم أحتج أن استجمع شجاعتي. مجرد تخيل الصورة التي ستحظى عدستي بالتقاطهها جعلني أصعد متن الحافلة وأنا أقول له : "إنت بس وصلني واعميل حالك ما بتعرفني."

صعد العمال وصعدت معهم. إلى جانب كل واحد منا يقف عسكري. افترقنا حينما وصلنا وبدأت أصعد طوابق المشفى وأصور الدمار والانهيار. من الأعلى أطللت برأسي لأشاهد سيارة الاسعاف مفجرة ومغسولة باللون الأحمر. مشهد مهيب. يا للصورة العظيمة ويا لفرحتي بها. أخرجت موبايلي، التقطت الصورة! تأملت فيها :الصورة مائلة. لا يمكنني احتمال الصور المائلة! أخرجت كلتا يدي من النافذرة وعدلت وضعية الكاميرا. من خلفي شعرت بظل بشري ثقيل. روسية تتأرجح يمينًا وشمالًا وتصوب باتجاهي. خبأت الجهاز في جيبة بنطالي ومشيت متظاهرًا بالبراءة. صرخ العسكري وأوقفني : إنت شو عم تعمل هون! ارتعدت. ثم أجبت : بدي صلح البلور. طلب موبايلي ولما فتحته كانت الصورة أول ما شاهده. التهب عمودي الفقري واصفر وجهي، لا بد أنها القاضية! نظر إلى العسكري بشفقة أب غاضب وخائف وصرخ بي: لك هي الشغلة مو لعبة! بتعرف لو حدا شافك غيري وين كنت صرت!؟؟؟ أنا أهلي بدوما وغصبًا عني هون. روح روح ولا عاد تفرجيني وشك!


سيارة الاسعاف مفجرة ومغسولة باللون الأحمر. صندوق طماطم في مقدمتها بعدسة رفيق 5-8-2012

حينما أعود بذاكرتي إلى الوراء أتذكر بعض أهم الصور التي نشرتها. هناك صورة بانورامية أخذت من وقتي أيامًا ثلاث بلياليها. كانت الصورة عبارة عن لقطة بانورامية يدوية الصنع من أربعين صورة لصقتهم متجاورين باستخدام برنامج الرسام. لم تكن الصورة عادية لأنها كانت بدقة هائلة. زوم ٤٢ وتمتد على ١٨٠ درجة. نشرت الصورة في صفحة عدسة شاب حمصي وأصبحت مرجعًا لكثير من الناس الذين يريدون الاطمئنان على منازلهم. الرهيب في الصورة البانورامية كان رؤية الخط الفاصل في حمص بين الأماكن المدمرة والأخرى التي نجت من القصف.


جزء من الصورة البانورامية يدوية الصنع. توضح الصورة الخط الفاصل بين الأماكن المتضررة في حمص والمناطق الأخرى

أتذكر أيضًا صورة التقطتها لتفجير الملعب البلدي في حمص في الثاني من كانون الأول ٢٠١٢. كمية الدماء التي سكبت هناك لا تمحى من ذاكرتي، خصوصًا أن الأهالي هناك كانوا مسالمين جدًا وعطوفين. يومها قامت سيارة مفخخة بتفجير المكان وأودت بحياة الكثير من الضحايا

تفجير الملعب البلدي في حمص في ٢ كانون الأول ٢٠١٢

كما لا أنسى صورة أخذت صدى كبيرًا وهي صورة دبابة تعبر شارع الغوطة. كان الناس متجمهرين وواقفين صفوفًا يشاهدون الدبابة وهي تعبر الزفت. الصورة تنطق من تلقاء نفسها دون حاجة إلى أي توضيح وهذا تمامًا كان الهدف من عدسة شاب حمصي. الجانب التوثيقي وإعلام الناس بما يحدث.


دبابة تعبر شارع الغوطة في حمص والناس يتابعون حركتها

دائرة الخطر والنجاة كانت تستمر وأنا أدور معها ومعي عدستي. كنت أشعر بالواجب لكن أيضًا بالبطولة. ما أفعله لا يشاركني فيه كثيرون حول العالم. لو كبرت في مكان آخر لربما كنت أيضًا اكتشفت حبي للتصوير واشتريت لنفسي كاميرا وربما أصبحت مصورًا مهمًا. لكن ما حدث في حمص كان يشعرني بفرادة اللحظة التي نعيشها وفرادة دوري فيها. عندما أكون خلف العدسة أنسى ذاتي. أتوحد مع المشهد السريالي وأنسى الجلد والعظم الذي يجلس وراءها.

262 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"