"فرح" المفقودة

Updated: Sep 6


وها أنا أقف من جديد على حافة اليابسة، أمام نديميَ القديم. الرياح العاصفة تضرب المياه وتحرّكها في جميع الاتجاهات ولكنّها لا تحرّك موجةً واحدةً في اتجاهي وهذا ليس بالأمر الطارئ. أتمنى الآن لو تحمل هذه الرياح أشواقي إلى الضفّة الأخرى لهذا العالم، حيث الحرب لم تبقِ ولم تذر، فترميها سلاماً وحبّاً فوق الأنقاض وبين الشوارع. أليس تصوراً همجيّاً تصورُ أن للعالم ضفّتين؟

الشّمس تجهد نفسها لتقذف أشعتها من خلف الغيوم الرماديّة، كما وجد الحب طريقه لقلبي أخيراً بمنتهى الصعوبة. خيوط الشّمس المولودة للتو تعانق أجفاني لتسمح لدموعي، التي علقت هناك وأبت الجريان على خديّ.

الغصّة العالقة في بلعومي لا تعيقني عن التنفّس بحريّة وحسب، بل تكبّل يديّ وتعمي عينيّ. الخيبة الكبرى ليست تلك التي نتجرّعها من شخصٍ أو حدثٍ معينيّن، بل هي ذلك الشعور بالخذلان من البشريّة جمعاء، من أبناء جلدتنا! الشعور بأنّنا قد تُركنا وحيدين نقاتل عالماً يحاربنا بكل وسائل الوحشيّة وبالسلطة اللامنتهيّة بينما لا نملك سلاحاً سوى مبادئَ قد آمنّا بها وكنّا مستعدين للموت في سبيلها، في سبيل عالمٍ أفضل! هي الشعور بأن كل ما يحيط بنا وكل ما آمنّا به إيمان اليقين لا يعدو كونه أكاذيباً وأوهام، وكأنّنا أمضينا ربيع حياتنا غارقين بشكلٍ دراميٍ في عالمنا الطوباوي الخاص. واليوم، لم نعد نثق بأحدٍ على الإطلاق وخسرنا كل شعورٍ بالانتماء للإنسانيّة وشعاراتها التي لطالما كنّا معتدّين بها. أنا على الأقل كنتُ فخوراً بانتمائي وقناعتي التامّة بتلك الشعارات ولكنّني صرت ضحيتها هذه المرة. ضحية عالمٍ يشكّل وضعي الحالي التجسيد الأفضل لما آل إليه.



الخيبة أنّنا قد تُركنا وحيدين نقاتل عالماً يحاربنا بكل وسائل الوحشيّة وبالسلطة اللامنتهيّة بينما لا نملك سلاحاً سوى مبادئَ قد آمنّا بها وكنّا مستعدين للموت في سبيلها، في سبيل عالمٍ أفضل!

ما غيّر حياتي إلى الأبد حدث لي في يومٍ عاصفٍ مشابهٍ لهذا اليوم.

لقد كنّا على متن سفينتنا في عرض البحر، نشقُّ مياهه المالحة، والتي ابتلعت عشرات آلاف الأماني بالنجاة والأحلام بواقعٍ أفضل، كنتُ أنظر في الأفق السحيق نحو الضفّة الأخرى لهذا العالم والتي تسمّى بالشرق، رغم أن شمس الأمان والحياة فيها غابت منذ زمن ولم تشرق بعدها، بينما أدخّن سيجارتي والريح الباردة تبعثر رمادها في كل الاتجاهات.

حينها كانت الأمواج تتقاذف قارباً صغيراً يحمل ثلاثين مهاجراً على مقربةٍ منّا. لم يكن ذاك القارب يحمل بضعة مهاجرين قد تقطّعت بهم سبل الحياة وحسب، بل كان يحمل أيضاً سعادتي الكبرى. لم أكن يوماً أستطيع تصور أن الحبّ الذي طالما بحثت عنه منذ سنوات كان بعيداً عني آلاف الكيلومترات، قبل أن تحمله إليّ عواصفُ حروبٍ لم تترك للحياة مكاناً. لقد قطع في طريقه إليّ ملايين الخطوات عابراً غاباتٍ وجبال وأهوال، قبل أن يرميه القدر في طريقي لأتعثر به، ليشكّل عثرتي الأولى والأخيرة.



الرسمة للفنانة: راما الدقاق

رن جهازي اللاسلكي بإشعارٍ من المركز بأن زورقاً يحمل مهاجرين يكاد يغرق بالقرب منّا. تم تحديد نقطة وجود القارب. رميت سيجارتي بعيداً وبدأت سريعاً بطلب الدعم من سفن الإنقاذ القريبة ومن خفر السواحل ووجّهنا أشرعة سفينتنا - التي تحوّلت بالنسبة إلينا إلى وطنٍ ومنزل، بل وفي المقام الأول إلى صورةٍ لعالمنا المثالي الذي ننشد - باتجاه النقطة وانطلقنا.

ما إن لامست سفينتنا القارب الصغير والممزق، حتى بدأنا بسحب الأطفال والنساء إلى متن سفينتنا والتي كانت قد شكّلت لهم النجاة من الموت، ليس عبثاً إذاً أن تحمل سفينتنا اسم "Hope“، أي "أمل". كان لقاء سفينتنا بالقارب شيئاً يشبه لقاء الموت بالحياة، اندماج اليأس بالأمل وانصهار الحرب بالسلام.

لقد كان الشعور لا يوصف بالكلمات. كل النظرات كانت تتجه نحوي ونحو زملائي، نظراتٌ من الفرح والأمل. ثم رأيت ما لا يمكن لي نسيانه على الإطلاق. امرأةٌ صغيرة، في منتصف العشرينات، سمراء البشرة، شعرها الأسود المبلّل كان متدلٍّ على خدّيها الصافيّين. أنفها البارزُ أعطى وجهها ملامحاً غربيّةً مألوفة أمّا عيناها السوداوين قد استحال بياضهما احمراراً بفعل ماء البحر المالح والدموع. كانت الأمواج قد ضربتها حتى بلّلت جسدها الداكن، حتى التصق قميصها بجسدها مبرزاً تفاصيل جسمها ممّا منح المشهد أنوثةً وجمالاً قد طغيا على كل التوتر والقسوة المسيطرين. بالرغم أن نظراتها المستغيثة كانت غير غريبة، فنحن كمنقذين نشكّل ولادةً جديدةً لهؤلاء الأشخاص، إلّا أنها رمقتني بالذات من بين الجميع ونادتني عيناها بوضوح: "أنقذني!".


كان لقاء سفينتنا بالقارب الغارق شيئاً يشبه لقاء الموت بالحياة، اندماج اليأس بالأمل وانصهار الحرب بالسلام.

عندما وصلت إليها، مدّت يدها المرتجفة إلي ونظرت مباشرةً في عينيّ بينما أسنانها تصطك بقوة. لم أؤمن في حياتي بالحب من النظرة الأولى فطالما كانت هذه الفكرة تافهةً بنظري، لربما هو إعجاب عاصف يفتك بالشخص لدى لقائه شخصاً آخراً للمرة الأولى. ولكنني حتى اليوم لا أستطيع وصف الشعور الذي اعتراني في تلك اللحظة. لم أستطع، ولم أرد في الحقيقة، تجاهل تلك النظرة أو اعتبارها نظرة غارقةٍ لمنقذها. كان في عينيها الموت واليأس واضحين جداً ولكن في أعماق نظراتها استطعت قراءة الرغبة بمواصلة الحياة. همست لي بينما أغطي كتفيها بمعطفٍ ثقيل بعد صعودنا للسفينة: "أنا خائفة" فقلت لها بصوتٍ منخفض وبنبرةٍ لطيفة: "أنتِ في أمانٍ الآن، أعدك بذلك. لا داعي للخوف". ابتسمت لي ابتسامة وادعة ومطمئنة بينما تشد المعطف بكلتا يديها بالقوة المتبقية لديها. جلستُ على كرسيٍ خشبي ورحتُ أنظر إليها في الوقت الذي كانت فيه سفينتنا تشق مياه البحر الهائج نحو بر الأمان، نحو الضفة الأخرى للعالم، بينما كنت أنا في تلك اللحظة قد وصلت حقاً لبر الأمان الخاص بي. هذا كان شعوري بالتحديد.

شعرت للحظةٍ بالفخر والسعادة بأن عالمنا لم يغرق بالكامل في الجنون ولا يزال يوجد أمكنة تمنح المرء اللجوء إليها كإنسانٍ فر من الموت. الفرار هو بطبيعة الحال أمرٌ غريزي، فحتى عندما يحاصرنا الموت من كل جانب ونعتقد أن علينا الاستسلام له، يصرخ في داخلنا شيء معترضاً وشاجباً بأن علينا محاولة النجاة مهما كلّف الأمر.

تلك الفتاة التي نجحت خلال لحظاتٍ ببناء رابطٍ قويٍ غير مرئيٍ يربطني بها كانت جالسةً تضم ساقيها بكلتا يديها إلى صدرها بينما ترتجف برداً، أو لربما خوفاً، أو انتشاءً. داهمتني في تلك اللحظات رغبةً كبيرةً برسمها، كانت بجلستها تلك تبدو ساحرةً بحق! أشعلت سيجارةً ومشيت باتجاهها، رغم أن الفضول كان يفتك بقلبي إلا أنني لم أكن أرغب أبداً بإزعاجها، فجلست على مقربةٍ منها ونظرت في الأفق بينما أدخن. بادرت الفتاة بالتحدث إلي: "الحياة هناك بشعةٌ جداً، لن أعود إلى هناك مهما كلّفني ذلك!" قالت كلماتها بصوتها المرتجف جداً والذي أسمعه للمرة الأولى فأجبتها بينما ألتفت بجسدي باتجاهها: لن تعودي، أنتِ هنا الآن" وشعرت أن بوّدي الإشارة إلى قلبي أثناء قول ذلك، لتعرف أي مكانٍ كنت أقصد بقولي "هنا".

أدخلتْ يدها إلى قميصها وأخرجت من تحته كيساً بلاستيكياً مربوطاً ببعضه البعض بإحكامٍ شديد. بدأت الحسناء بفك العقد الكثيرة. نظرت إليها بدوري مبتسماً وقلت لها: "بإمكانك تمزيق الكيس ببساطة، لن تكوني بحاجته بعد اليوم!" رمقتني هي بنظرةٍ ساخرة، وتابعت محاولة فك عقد الكيس. بعد أن نجحتْ أخيراً بفتح الكيس دون تمزيقه، أخرجت منه جواز سفرٍ يبدو قديماً ومهترئاً جداً وأخرجت منه صورةً صغيرةً تأملتها للحظات قبل أن تمدها نحوي وسألتني: "هل تشبهني؟" نظرت إلى الصورة سريعاً قبل أن أجيب متعجباً: هذه أنتِ!". "لا. هذه والدتي" أجابتني واستطردت بصوتها الهادئ: "لا أدري إن كانت لا تزال على قيد الحياة". "كيف ذلك؟" سألتها مرتعداً واستطردتُ مرتبكاً وخجِلاً: "هذا يؤسفني! لا ينبغي عليك الكلام الآن، ارتاحي وحسب" ولكنها استأنفت قائلةً: " إنها في السجن. في. سجنٍ ما. تم إلقاء القبض عليها. لأن شقيقي الأكبر كان ملاحقاً. الطريف هنا أن أخي قد قُتِل وأمي لا تزال مغيّبة!". "طريف!" قلت في نفسي! لم يكن مني إلا أن اقتربت من الفتاة وعانقتها فانفجرت على كتفي بكاءً.

بعد أن هدأت الفتاة قليلاً حكت لي قصتها. كان اسمها "فرح" وقالت لي أن هذا يعني بلغتها "السعادة"، السعادة التي نست الفتاة طعمها تماماً. قالت لي أنها تكره اسمها. وأن مزاجها يتكدّر بمجرد سماع أحدٍ يناديها به. لقد تُركت الفتاة لتواجه الحياة بمفردها بعد وفاة أخيها الأصغر بغارةٍ جويةٍ حوّلت منزلهم إلى حطام ولم تبقِ منه إلا غباراً ملوّناً بألوان طفولتها وأحجاراً قد دفنت ذكرياتها وقتلتها خنقاً. لقد اضطرت لترك المدرسة والعمل بعد اعتقال والدتها، وكانت في العمل حين رمت المروحية حمولتها فوق منزلهم، لتعود وتجد أن كل ما كان قد تبقّى في حياتها قد تحوّل إلى ماضٍ. بعد عدة أيامٍ ظهر عمها بعرضه عليها أن تسكن لديه في المنزل، وباعتبار أن لديه ولد شاب، عرض عليها ذلك العرض مقروناً بشرط الزواج من ابنه، الأمر الذي رفضته فرح تماما: "الحرب لا تحتمل، والعيش في تلك الظروف كفتاةٍ صغيرةٍ وحيدة شبه مستحيل. ولكن الحياة التي عرضها عليّ عمّي أقل آدميّةٍ من ذلك كله، كانت شيئاً لم أكن أستطيع تخيّله على الإطلاق! فكرتُ وقتها بما يمكن أن أخسره إن رفضت عرض عمّي فلم أجد، فاختفيتُ بعدها تماماً" قالت لي فرح بصوتٍ مرتجف.

لقد هربت فرح واشتغلت في عدة مراكز ناشطة في مجال حقوق الإنسان والمرأة. في النهاية لم يبقَ أمام الفتاة القوية هذه أي خيارٍ سوى ترك مدينتها خفيّةً - كونها أصبحت ملاحقةً هي الأخرى - بعد أن التهمت نيران الحرب المدينة تماماً وأنهكتها بالمعارك العبثيّة والفوضى.


أنا واثقٌ جداً أيضاً، أنني أنتمي الآن لفرح، وكلانا ينتمي لعالمٍ واحد!

كان لدى فرح جاذبيّة وكاريزما عجيبتان، لقد أخذتني بكلامها معها بعيداً جداً، إلى بلادها المتعبة، هناك خلف الأفق الذي نبتعد عنه بسفينتنا شيئاً فشيئاً. لقد تحدثنا لساعاتٍ وساعات حول كل شيءٍ تقريباً، الكتب، الأفلام، الموسيقى، الآراء السياسيّة والاجتماعية وحتى الدينية. أثار إعجابي كم نتشارك من الاهتمامات والآراء، لم أشعر للحظةٍ واحدةٍ أننا نختلف عن بعضنا بشكلٍ خاصٍ كون كلٍ منّا ينحدر من مكانٍ وعالمٍ مختلف. كان علي بعدها أن أفكر، لماذا أراد النظام العالمي لنا أن نشعر أننا مختلفين؟ لماذا كان على هذا النظام أن يصنّف الناس في طبقاتٍ تبعاً لجنسيتهم؟ وما تعني الجنسية؟ أليست مكان الولادة المحكوم بالصدفة ليس إلّا؟ ماذا لو ولد ذلك السياسيّ الأبله الذي قسّم البشر والعالم في أقاصي صحراءٍ قاحلة، حيث يتم معاملة قطرة الماء ككنزٍ ثمين أو في إحدى مناطق النزاع الساخنة حيث قد يكلّف رغيف الخبز حياةً كاملة! أنا واثق أن أفكاراً كهذه لم تخطر على باله هذا الصباح بينما يقف أمام مرآته لحلاقة ذقنه قبل أن يرتدي قناعه وباروكته! وواثق تماماً أن أفكاراً مشابهة لن تخطر على باله هذا المساء بينما يتناول طعام العشاء مع عائلته قرب نيران مدفئة قصره. وأنا واثقٌ جداً أيضاً، أنني أنتمي الآن لفرح، وكلانا ينتمي لعالمٍ واحد!

في صباح اليوم التالي كانت الشمس قد أشرقت، بينما كنا نبحر نحو هدفنا الذي لم يعد يبعد عنا كثيراً، عندما استيقظت فرح وبدأت بالبحث عني. حدّثتني فرح عن أحلامها. لقد أرادت دراسة العمل الاجتماعي في أوروبا لتناضل لاحقاً من أجل الحرّيات وحقوق الإنسان، ليس فقط في وطنها الأم، بل في العالم أجمع. لقد كانت تحلم في الحياة في ظل ديمقراطيةٍ ودولةٍ عادلة. كانت مذهولةً بينما أحدّثها عن التعدّدية السياسيّة وحقوق المرأة في بلادنا، وكانت تنظر والابتسامة تعلو وجهها في عينيّ تارةً ونحو الأفق الغربي الذي يقترب ببطء منّا أطواراً. لقد وعدتها حينها بأنني سأرافقها خلال مسيرتها، سأكون لها عوناً ومحباً. نظراتها وابتساماتها الخجولة فضحت مشاعرها.

"فرح. هاك عنواني. سنصل بعد قليل وسأضطر لفراقك. لكننا سنتقابل لاحقاً، أليس كذلك؟" قلتُ لها.

ابتسمت وأخدت مني الورقة الصغيرة ولمست يدي سريعاً. تابعت كلامي قائلاً: "دعينا إذن نلتقي غداً عند السادسة مساءً حيث سنرسو الآن، على الميناء. سأوصي صديقي الذي سيرافقكم إلى مأوى اللاجئين المؤقت بكِ. اتفقنا؟" عانقتني فرح سريعاً ومضت وتركتني في سعادتي الغامرة التي لم أشعر بمثلها من قبل.

ما إن أرخينا مرساتنا معلنين عن نهاية المهمة حتى تم التحدّث إلينا من قبل ضباطٍ وجنود كانوا ينتظروننا على الميناء وتم اقتيادي مع باقي أفراد طاقم السفينة إلى مركز الشرطة بينما أنظر خلفي إلى فرح، التي كانت بدورها تنظر إلي والذعر يملأ قلبها وعينيها. تم التحقيق معنا وكأننا مجرمين واحتُجزنا لعدة أيامٍ قبل أن يتم إطلاق سراحنا بعد أن وقّعنا تعهدات بعدم تسييّر أو المشاركة بأي رحلات إنقاذ. نعم، لم يعد بوسعنا إنقاذ الناس من الغرق! لقد كانت صدمة حياتي، التي تلتها صدمةٌ أعظم. "كيف سأواصل حياتي في هذا العالم الذي بدا لي على شفا تداعيه الأخير" سألت نفسي. كل ما كنت أريده كان رؤية فرح. لقد عوّلت على رؤيتها لإنقاذي من البؤس والخيبة اللذين لحقا بي.

توجهت إلى مأوى اللاجئين. استقبلني مدير الملجأ بينما كنت أتأمل المكان حولي الذي بدا بدوره فارغاً مما أثار استغرابي وقلقي على حدٍ سواء. سألت المسؤول عن دفعة اللاجئين التي وصلت قبل عدة أيام وإن كان يعرف فتاةً هنا تدعى فرح. "منذ أسبوعين لم نستقبل أي لاجئ" أجابني المسؤول فسرت في جسدي قشعريرةً وصلت قلبي.

نعم. تم ترحيل فرح. تمت إعادتها من حيث جاءت لأنها قدمت "بطريقةٍ غير شرعية". لأنها هربت من الموت "بطريقةٍ غير شرعية". لأنها حلمت "بطريقةٍ غير شرعية". لم تكن صدمةً عادية. لقد كان رعباً انتابني. رعباً من مواصلة الحياة. شعور الأمان قد اختفى من عالمي فجأة.

عندما قابلت فرح للمرة الأولى ورأيت عينيها فكرت في نفسي: " كيف لا يستطيع هذا الجمال إنهاء الحرب؟ في عينين كهاتين لا مكان للكره والقتل. جمالها كان في نظري كافياً لإجبار المدافع على الصمت والدبابات على التوقف إجلالاً لها. بحضورها يزهر السلام كما أزهر ربيع قلبي. في حضورها يرمي الجنود بنادقهم، يبدؤون بالغناء للإلفة والسلام وينصاعون للحب المتوهج في ابتسامتها. عينا فرح! لقد كانتا يشعّان نوراً وحبّاً وسلاماً. كانتا عينان حقَّ بهما أن تحكما العالم، كما حكمتا قلبي.

تمت إعادتها من حيث جاءت لأنها قدمت "بطريقةٍ غير شرعية". لأنها هربت من الموت "بطريقةٍ غير شرعية". لأنها حلمت "بطريقةٍ غير شرعية".

واليوم، تبدو تلك الأيام أياماً بعيدة خلت. أشعر وكأنني لم أرسو على ذات الكوكب الذي غادرته للمهمة الأخيرة. كل شيء تغيّر بعد عودتنا. حتى قصة الحب السريعة تلك التي أبحرتُ دونها، التي بدأت في عرض البحر، قد انتهت على هذا المرفأ الحزين. لقد أصابت تلك الأحداث أعمق نقطةٍ في قلبي، حيث تسكن الخيبة الآن وحيث بنى الحزن عشّاً متيناً له. سفينتنا التي منحت الحياة لمئات المساكين تقف هنا أمامي، في المرفأ، كئيبةً وخاويةً من الروح، حالها يشبه الحال الذي آلت إليه حياتي برمّتها.

أتناول الحبل من حقيبتي الصغيرة وأفكر إن كان عليّ حقاً تقييد يداي وقدماي قبل القفز: "لماذا عساني أقتل قدرتي على مقاومة الموت وإمكانية التراجع عن قراري؟" أسأل نفسي.

الشمس كانت قد شارفت على المغيب، شارفت على الغرق خلف الأفق البعيد. وها أنا أقف من جديد على حافة اليابسة، أمام نديميَ القديم، بين الموت والحياة، وسط عالمٍ مجنونٍ قد اختار لنفسه الغرق في ظلمته الخاصة.

أيلول ٢٠١٩

61 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"