• sameralnajjar16

الضيق


لا زلت ممدّاً على سريري والشمس لم تشرق بعد على ما يبدو، ولكن المكان ضيقٌ هنا بشكلٍ لا يطاق. الهواء ينفد تدريجياً أيضاً. أنظر حولي فلا أرى سوى الغبار. الغبار يحجب عني رؤية كل شيءٍ يحيط بي. هل أراد والداي الاحتفال بعيد ميلادي بشكلٍ مختلفٍ هذه المرّة؟ هل من الممكن أن تكون هذه هي المفاجأة التي وعدتني أمي بها؟ ولكن لماذا كل شيءٍ ساكن هكذا؟ وأين هي البوالين والشموع العشرة؟ ولكنني أتذكّر أن عيد ميلادي في الصيف!

ساقي تؤلمني جداً. أحاول لمسها برؤوس أصابعي ولكنّني لا أشعر ببساطةٍ بأي شيء، حتّى أنّني لا أستطيع تحريكها! أنا أحلم الآن بكل تأكيد. تحت سريري خبأت لعبتي المفضّلة، ولكنّني الآن لا أستطيع الوصول إليها أيضاً بأي شكلٍ كان. لقد كانت سيارة سوداء فخمة من طراز "بي إم دبليو" ولطالما كنت أريد اقتنائها. لقد كنت أتمنى طوال الوقت أن تتحوّل إلى سيارةٍ حقيقيةٍ كبيرة، كتلك التي يكلمها عمّي. أردت أخذ والديّ بها في نزهة إلى مكانٍ هادئ. لقد سمعت من والدي في عدة مناسبات أن هناك أماكن هادئة في هذا العالم، لكنها جميعها بعيدة جداً. علينا أن نقود السيارة كيلومتراتٍ كثيرة لنصل إلى مكانٍ هادئ.

خالتي تكره البحر كثيراً. لأن ابنها أراد السفر عن طريق البحر ولكنّه الآن يعيش في الجنّة.

المكان ضيّق هناك بشكلٍ لا يطاق. الغبار يتلاشى تدريجيّاً. الآن استطعت أن ألاحظ أن غرفتي ليست مرتبةً أبداً. بالكاد أستطيع التعرّف عليها! هذا سيثير غضب أمّي بالتأكيد. رحت أبحث عن حقيبتي المدرسيّة بعينيّ الجاحظتين والمستغربتين جداً. لقد كانت بالقرب منّي قبل أن أنام، حيث رسمت البحر قبل النوم على ورقةٍ بيضاء ووضعت الصورة في الحقيبة. أنا لم أرَ البحر من قبل. رأيته فقط في التلفاز عندما كنّا لا نزال نملك كهرباء. خالتي تكره البحر كثيراً. لأن ابنها أراد السفر عن طريق البحر ولكنّه الآن يعيش في الجنّة. كيف سأذهب إلى المدرسة غداً إن لم أجد حقيبتي؟ لكن هذا أفضل بالنسبة إليّ، لأنني سأستطيع النوم لوقتٍ متأخر كما أريد.


حصّتنا الأولى غداً هي حصّة الجغرافيا المملّة جداً. ماذا يعلّمنا مدرّس الجغرافيا؟ كم عدد سكان الكوكب؟ أسماء الأنهار والبحار والجبال والعواصم؟ بماذا سيفيدنا هذا كله طالما أن جميعها بعيدة جداً؟ جداً! نتعلّم في حصّة الجغرافيا أيضاً كيف نرسم خريطة بلدنا. يجب أن ينتبه المرء أثناء رسم الحدود بشكلٍ جيد، فهي حدود حرب! حدود جحيم! حدود بؤسنا وخيبتنا الممنوعين نحن من تجاوزها، لنموت هنا بصمت، دون أن نزعج الجيران.

أنا لا أستطيع إيجاد أخي أيضاً! هو أصغر منّي ويتسلّل أحياناً من سريره إلى غرفة نوم والديّ. لقد تناولنا طعام العشاء بالأمس معاً حيث وعدنا والدي بأخذنا غداً إلى ملعب كرة القدم، لذلك جهّزنا الكرة والأحذية الرياضيّة، القمصان أيضاً بالطبع، أنا رونالدو وهو ميسي.

المكان ضيّق هنا وأمي لا تستطيع الوصول إليّ. باب غرفتي ليس هنا، ولا حتى النافذة. الجدران والسقف أيضاً!

المكان ضيّق جداً هنا وأنا أريد أمّي. أصرخ: "ماما! ماما!" لكنّني لا أسمع صوتي. أكرّر المحاولة بصوت أعلى: "مامااااا". لا! أنا لا أسمع صوتي. هذا غير معقول! هل من الممكن أن تسمعني أمّي رغم ذلك؟ لقد سألتها ذات يومٍ كيف تستطيع معرفة أنّني مريض دون أن أخبرها! أنا أكره طعم الدواء، لهذا لا أقول لها بأنني مريض أبداً. لقد أجابتني حينها: "أنا أشعر بذلك معك! وعندما تكون متعباً فأنا يتعب قلبي بشكلٍ تلقائي". ولكن أين هي الآن؟ أنا بحاجةٍ إليها وأريد الخروج من هنا. حسناً، إن كانت تسمعني، فلماذا لا تأتي إلي؟ ولكن كيف يمكنها أن تأتي؟ ومن أين؟ المكان ضيّق هنا وهي لا تستطيع الوصول إليّ. باب غرفتي ليس هنا، ولا حتى النافذة. الجدران والسقف أيضاً! لكن والدي سيأتي بكل تأكيد ويخرجني. بكل تأكيد!

المكان مظلم هنا وأنا أشعر بالوحدة. شعور الوحدة نعرفه جيداً. إنّه الشعور بأن جميع البشر على الكوكب قد تركوك وحدك تواجه مصيرك! هذا أيضاً أحد أنواع الوحدة. لكن الوضع الآن أكثر سوءاً بكثير. أنا أشعر الآن وكأنني الوحيد في هذا العالم. أنا أريد فقط الخروج من هنا. المكان ضيق جداً هنا، تحت هذا الركام، ورائحة الأحجار والدم تكاد تخنقني! مظهري الآن غير مرتب بالتأكيد وسأزعج الناس عندما يرون صوري بعد قليل على شبكات التواصل، سيقلبون وجوههم قرفاً أو تعاطفاً، قبل أن يواصلوا التصفّح. أجل، وإن كانوا حينها يتناولون الطعام فقد تسرق صوري منهم الشهيّة.

شعور الوحدة نعرفه جيداً. إنّه الشعور بأن جميع البشر على الكوكب قد تركوك وحدك تواجه مصيرك!

المكان ضيق هنا بشكلٍ رهيب، ومظلم جداً. أنا خائفٌ وأريد الخروج من هنا. أريد أمّي وأبي، اللذين ربما لم يعد لهما وجودٌ الآن.

بدأت بالبكاء، بينما بدأ شيءٌ يتحرّك. لقد أصبح المكان هنا مغبرّاً من جديد، أسعل وأسعل. لقد بدأ الضوء يتسلّل ببطءٍ من الخارج إلى هنا وجاء صوتُ رجلٍ من بين الحطام: "أنت! يا صغيري، هناك، هل تسمعني؟" وقد كان الصوت لسوء حظي ليس صوت أبي.

حزيران ٢٠١٩

114 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"