محاولات نجاة: ضجيج الحياة

Updated: Jan 8

مجددًا، أرفع رأسيَ الثقيل، العتمة تحيط بنا وأضواء صفراء باهتة تضيء الممر خارج المنفردة. لم أعد أمتلك أيّ أفكار مما حملته معي قبل وصولي إلى هنا. لا شيء سيشغلني عن التفكير بمن قُتلوا حولي، تلك الأسماء التي شاركتني الخبز والزيتون، مجاعة التعذيب، حيث لا يهم الطعام بعد الآن. البقية حولي مستيقظون أيضاً، وكأن أجسامنا وعقولنا مرتبطة بشكل من الأشكال، نعلن موعد الاستيقاظ سويةً وموعد الهدوء -أو ما يسمى بالنوم- أيضاً سويةً. ما عدا أعين الجندي المراقبة لنا تبقى مفتوحة طوال الليل، يتم استبدالها بعيون أخرى خلال النهار. أفكر، أيّ وظيفة تلك التي يحمّلونها له؟ أن يراقب النيام ويتابع ردود أفعالهم حين ينتفضون رعبًا من كوابيس السجن والتعذيب، كم من الوقت سيحتاج الأمر به حتى يتخلص من الرواسب النفسية نتيجة ما رآه على وجوهنا وأجسادنا، ولكن، بالرغم من كل ذلك ومن ناحية أخرى، فهناك ما يوحي باستمتاعه بتلك السلطة والقدرة على شتمنا نياماً وربط أيدينا وتغطية عيوننا عندما يحين وقت التعذيب فيا له من حلم وحشيّ قد يسعى إليه إنسان!

"المرة الوحيدة التي يُطلب فيها من الإنسان السوري أن يرفع صوته ليعلن وجوده على قيد الحياة هي أثناء تفقد الأسماء في المعتقل".

التفقد، كما العادة، الأسماء تُعلن وكلمة "حاضر" تخرج بصوت كئيب وضعيف من زوايا الزنازين هنا وهناك. يصرخ بنا السجان بين الحين والآخر كي نرفع أصواتنا أكثر -وتلك هي المرة الوحيدة التي يُطلب فيها من الإنسان السوري أن يرفع صوته ليعلن وجوده على قيد الحياة-. بعدما انتهينا من العملية الروتينية، فُتحت الأبواب فجأة وأدخلت أدوات التنظيف إلى المهجع، صرخ بنا السجان "يلا يا حيوانات منك لإلو قوموا نضفوا وسخكن، ما عم نلحقلكن دوا، هاد الناقص، نقعد نداويكن من جربكن كمان!". في واقع الأمر هم لا يقدمون الدواء لأحد إلا لمن يمتلك "واسطة" أو دعماً كبيراً جداً، وفي كلتا الحالتين، الدواء لا فائدة ترجى منه في مكان كهذا. فعلى سبيل المثال، ذلك الشخص الذي ينتمي لميليشيا "الدفاع الوطني"* والذي كان يتعامل مع الجيش الحر، كانا معصما يديه قد سُلخ الجلد عنهما جراء تعليقه من يديه لساعات طويلة، ولكن في كل مرة تتم إعادته فيها من غرفة التعذيب، يعطونه مرهماً يستخدم لترميم الجلد المتهالك ويعاملونه بشكلٍ جيدٍ جداً! الأمر مضحك! لأنهم سيعاودون تعذيبه في اليوم التالي أو حتى بعد ساعات. الأمر يعود لمزاج المحقق، وقد يصنع المال فارقاً في هذه الحالة أحياناً. قاموا بإعطائنا أدوات التنظيف، وفتحوا الماء في غرفة الاستحمام، وأُمرنا بتوزيع المهام فيما بيننا، فيما انسحب السجان تاركاً المراقب يقوم بواجبه. كان هناك جوّ من السرور يعمّ علينا، سننعم وأخيراً بالقليل من النظافة، سننعم بالماء كما نشاء اليوم، اتفقنا على جمع حاجياتنا المتبقية، الأحذية والقمصان، في منفردةٍ واحدة، وبدأنا عملية التنظيف. فرصة كهذه وعلى الرغم من سخافتها ربما "تنظيف السجن" جعلتنا نشعر بقيمة وجودية نوعاً ما، نحن نفعل شيئاً حقيقياً، نحرك أجسادنا، لا نجلس منتظرين نداء غرف التعذيب فقط. غير ذلك، استغلينا هذه الفرصة الذهبية للحديث مع بعضنا الآخر، مع الأشخاص الذين يقبعون في المنفردات الأخرى البعيدة كالتعرف عليهم أكثر، ومعرفة التهم الموجهة إليهم أو كيف يتم تعذيبهم ومن أين هم قادمون؟


Goya - Yard with Lunatics

لا أعلم تمامًا ما هو التعبير المناسب لوصف الحالة التي كنا نعيشها، فقد حاولت التعبير عنها بـ "ضجيج الحياة" عدة مرات ومن ثم قررت مسحها معللاً تسميتها بارتباطها بالمرة الأولى التي علت فيها تلك الأصوات عند دخولي سراديب الظلام. هذه المفارقات التي لا يخطر لنا حتى التفكير بها بدأت تظهر لي وأنا أكتب الآن وأُجبِر نفسي على الغوص في التفاصيل وكيف أن المعتقلات موت كامل متعدد الأشكال والأنواع، يبدأ باستقبالك بالشتائم والكفوف، ومن ثم تليه حفلات التعذيب والمنع من الكلام، أو ربما على أقل تقدير رؤية آثار التعذيب على أجساد الآخرين وحمل جثث رفاق كانوا قد أخبروك ذات يوم بأن كل شيء سيكون على ما يرام. بينما تعلو أصوات التعذيب الليلي في رؤوسنا تبدو تسمية عملية تنظيف السجن أقرب ما يمكن لوصفها "ضجيج الحياة" أمام التعذيب الذي نحظى به عادة ويمثل الموت بحد ذاته بالنسبة لنا.

"لا فرق بين زنزانة وأخرى إلا الجدران وما كُتِب عليها من ذكريات وكلمات وجود لأشخاص عابرين، منهم من قُتل تحت التعذيب، ومنهم من أُخلي سبيله".

لم أكن أقوى على الكلام كثيراً، وذلك أنني قد تعودت على الصمت بعد موت ماجد، عانيت من رهاب التعرّف على أي شخص جديد، كنت خائفاً من موت آخرين أرى فيهم مصدر اطمِئنانٍ مُبعدين عني شعور الوحدة المتزايد، أولئك الذين كانوا صناديق الأسرار التي نخبرها بكل ما أحببناه في حياتنا، واسم الفتاة التي نريد الزواج بها، فقدان هؤلاء الأشخاص عادةً في الحياة الطبيعية هو شيء مؤلم، وفقدانهم في ظرف كهذا هو النهاية حتمًا.

بدأت أتحركُ هنا وهناك بين رفاقي، واستمع للأحاديث الجانبية التي يخوضونها، وللتمتمة المفهومة في غالب الأوقات، كان كل ما يتحدثون به يدور حول أنواع التهم الموجهة للمعتقلين، أشياء مثل: الإرهاب، تهريب سلاح، تصوير مظاهرات، الاستخبار لصالح دولة أجنبية، أشياء مرتبطة بالاتصالات والهواتف، والكثير من التهم التي قد لا يسمعها الإنسان إلا في معتقلات النظام السوري.

بدأت التنقل بين الزنازين منتهزاً الفرصة، لا أفهم الآن سبب فعلي لذلك، ولكنه الفضول الذي دفعني لأرى شكل الحياة في باقي المنفردات، هل تشبه زنزانتي؟ نفس المساحة والشكل؟. اتضح لي آنذاك ألا فرق بين زنزانة وأخرى إلا الجدران وما كُتِب عليها من ذكريات وكلمات وجود لأشخاص عابرين، منهم من قتل تحت التعذيب، ومنهم من أُخلي سبيله، أسماء متفرقة، خطوط تعدّ الأيام أو الأسابيع [مافي أمل، في أمل، اشتقت لأمي، بدي عيش، لا تنسونا، حرية].

دخلت زنزانة ماجد، صديقي الذي قُتل أمام عيني، ثم تبعني شخص ممن كان يشاركه ذات الزنزانة وقال لي: "اقرأ هون، ماجد هو اللي كتبها.. منيح إنو ارتاح وأخد اللي كان بدو ياه". نظرت إلى ما كان يشير نحوه فقرأت: [الموت أسهل من العيشة هون].

"عاد الموت ليكون سيّد المكان من جديد. كلّ منا دخل زنزانته التي بات ينتمي إليها وتنتمي إليه، مُنِع الكلام، وخيّم الظلام علينا".

ـ سأكرر شيئًا قد قلته في نصٍّ سابق، مواقف كالتي ذكرتها وأذكرها الآن تجعل دموعي تنهمر بلا توقف، ولكن عندما حدثت لم أكن أشعر بأي شيء يدفعني نحو البكاء. الاعتقال في سوريا الأسد هو عملية ممنهجة لتفريغ الشخص من مشاعره الإنسانية -.

ظهر وجه ماجد المنتفخ نتيجة التعذيب أمامي ففزعت وخرجت مسرعًا من زنزانته السابقة. كان حينها المراقب يشتمنا بصوتٍ عالٍ ويضحك ضحكات هستيرية، وكأن تلك الضجة المحدثة جعلته يشعر بالسعادة بطريقة ما. فضحكاته لم تكن تدل إلا على ذلك.

انتهت حفلة التنظيف، وسُمِحَ لنا من بعدها بالاستحمام لمدة خمس دقائق لكل شخص. برهة ثم نادى السجان لنأخذ الطعام، نفّذ أبطالنا المهمة وأدخلوه بسلام. مجدرة البرغل مع الكثير من التراب والحصى كان طعامنا لهذا اليوم، وضعوا لنا بطيخةً داخل الوعاء الضخم الذي يضمّ البرغل والعدس متعمدين ذلك، فنحن لم نكن نملك أي أداة لتقطيعها لذا بقيت في الوعاء وعادت إليهم كما أتت، الجميع من حولي أكل حصته، على غير العادة.

عاد الموت ليكون سيّد المكان من جديد. كلّ منا دخل زنزانته التي بات ينتمي إليها وتنتمي إليه، مُنِع الكلام، وخيّم الظلام علينا، حدّقت حولي: وجوه دفنت بين ركبتيها، ثنيتُ قدميّ كما أفعل دائماً، وضعت رأسي في حضني، وبدأت أفكر من جديد بمن قُتل حولي، بتلك الأسماء التي شاركتني الخبز والزيتون، مجاعة التعذيب، حيث لا يهم الطعام بعد الآن.



*الدفاع الوطني: ميليشيا تشكلت بعد قيام الثورة السورية، للمشاركة بالمعارك التي يخوضها نظام الأسد ضد الشعب السوري.

486 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"