محاولات نجاة: هل حان وقتي اليوم؟

Updated: Jul 18, 2019

تحذير : المحتوى لايناسب الجميع +١٨

عندما يرى المرء الموت يبتلع من حوله تباعًا، تتحرك بداخله آلة الرعب الهائلة وتنهشه. لامبالاة العالم كلها لا تكفي لوقف آلة الرعب عن تفتيت اللحم والصبر. بعد مرور الأيام وأنت تكوم جثث من يقتلون في الزنازن المجاورة لك كما يطلب منك، يتسرب الموت من أجسادهم إلى روحك. يتشكل في أعماقك يأس مطلق يبتلع العالم كله، العالم القذر الذي هو عالمك كمعتقل في سرداب، والعالم العلوي الذي يعيش فيه الآخرون، يبتاعون ويشترون ويضحكون، يتذكرون وينسون لايعني لك شيئًا بعد أن تحدق بعين الموت والموتى.

لوحة للفنان فرانثيسكو غويا بعنوان : زاتورن يلتهم ابنه

 أحيانًا تتبادل الضحك مع الآخرين عندما تهدأ معمعة التعذيب والصراخ، لكنك تصحو على وقع ماكينة الرعب التي تبث لك من جديد صوراً لكلّ الوجوه التي ودعتها خلال الأيام الماضية، والأصوات التي تصرخ ليلاً، والمناجاة التي لايكترث لها أحد. أنت محاط بعشرات الأشخاص الذين يرثون لحالك لكن لا يمكنهم فعل شيء من أجلك. تمامًا كحالك، عاجز كليًا عن المساعدة. أحاول أن أنسى وأشغل عقلي بأي شيء، لكن الأصوات تعيد نفسها والصور تتنافس على جَلدي بسياطها. لماذا أعذب نفسي بعد انتهاء حفلة التعذيب، هل يتحول الضحايا أنفسهم إلى جلادين لذواتهم؟ أحاول أن أفكر بالأمر فلسفيًا كي أوقف سينمائي الصوت والصورة في داخلي عن العمل، لكن الأمور خرجت عن سيطرتي. الصور والذكريات بدأ لونها يصبح قاتماً أكثر. أشعر بالنعاس؟ من أنا؟ هل هذا مهم أصلًا إن كنت سأموت. هل سيحين دوري غدًا؟ يبدو أنه الصباح مجددًا، مرّ السجانون لينادوا بأسمائنا الثلاثية ويتأكدوا من وجودنا على قيد الحياة، بعد ذلك تبدأ حفلة التعذيب الروتينية وفاتحتها البلّ بالمياه، ثم يتلو العسكري أسماء من يجب أن يتم اقتيادهم إلى غرف التحقيق. هذه المرة كان دوري: "عديّ المعصراني"

"جهزو"



ليست مفاجأة. كنت أنتظر ذلك، وانتظار الموت أسهل منه. أريد التعذيب، أريد الخلاص. لكنّ هلعي كان بحجم العالم. مع سيل من الشتائم شدّ السجان على عينيّ عصبة سوداء مصنوعة من قطع ملابس السجناء السابقين. العصبات ملغومة برائحة الدم المتيبس، لقد اعتدت على الرائحة. رفع السجان قطعة القماش فاتحًا لي مجالًا لرؤية الأرض عند قدمي*  قاربت يداي من بعضهما خلف ظهري. قبض عليهم السجان بيديه وربطهم بأربطة أحد الأحذية التي كانوا يأخذونها أيضاً من أحذيتنا. أحد أجزاء التعذيب تكون باستعمال أشيائك وأشياء الضحايا الآخرين، تلك التي تشتريها أحيانًا بتعبك وعرق جبينك وأحيانًا تكون هدية من صديق أو حبيبة. لسخرية القدر طبعاً. رماني خارجاً ليستلمني السجان المناوب في الغرفة المجاورة، سمعت خطواتًا تتقدم نحوي، إنها تقترب، أكثر.. أكثر، يبدو أنه ليس شخص واحد، هنالك أربعة أو ستة أقدام على الأقل، الضربة الأولى، الثانية، العاشرة.. لم أعد قادراً على العدّ ولا على الوقوف، تهاويت. سحبني من شعري لكي أقف. توجهت الضربات إلى معدتي، ثم كلّ جسدي، ثم وعيت على صوت يقول:

"خدو لابن القحبة لعند بوعلي تحت"

اقتادني أحد عناصر الأمن ونزل بي عدة طوابق تحت الأرض، مشينا في سرداب حتى وصلنا إلى أحد الغرف، فتح الباب ورماني داخلاً، استرقت النظر، رفعت رأسي قدر استطاعتي لكي أتفحص المكان عبر فتحة غطاء العين. توقعت ضربة مباغتة نتيجة فعلي المشين، لكنها لم تأت. هدوءٌ مريب ومغر. بدأت فعلاً أتفقد المكان من حولي بهدوء، إنه مكتب، مكتب يحتوي على ملفاتٍ ضخمة، لا يوجد أي أداة تعذيب أو رائحة ولون دم. مكتب وكرسي وجدران بلونٍ أصفر يدل على قِدَم المكان، بدأت أتساءل إن كان سيتم تعذيبي هنا حقاً، أم ما هي الخطوة القادمة يا ترى؟ وقفت على قدمي ببطء وأنا مغمض العينين بشكل كامل. بدأت باستعمال حواسي السمعية بكثافة. لحظات الانتظار تلك كانت أكثر فتكًا من كل التعذيب الذي قد تعرضت له في ذاك اليوم. لا أعرف كم مر من الوقت، بدأت أسمع صوت خطوات تخترق الهدوء، تقترب أكثر، هنالك صوت أحدهم يمشي باتجاه الغرفة، وأخيراً..

دخل أحدهم، بشكل لا إرادي رفعت رأسي نحو الأعلى لكي أرى، كان يحمل كأساً من المتة والقليل من السكر وإبريق شاي فيه مياه ساخنة، صدقوني، أنا لا أكذب، هو حقاً يصطحب معه معدات التسلية لكي لا يشعر بالملل خلال عملية التحقيق. حتى أنا لا أصدق ولا أفهم كيف يمكن لإنسان أن يشرب المتة وهو يعذب إنساناً آخر! - والله ولقطناك يا عديّ. - حضرة المحقق بتسمحلي احكي - كول خرا ولك ابن الشرموطة، بتعرف من ايمت بدنا ياك؟ صرلنا سنين عم ندور عليك. فتح المحقق ملفاً هائل الحجم يحتوي على كل الخيانات العظمى التي ارتكبتها بحق الدولة الممانعة والمقاومة، وبدأ يقرأ بصمت، بينما كنت أنتظر والرعب يسبح في دمي. قطع المحقق الصمت قائلًا: -هنت إمك من القرداحة مهيك؟ - اي سيدي - ما عرفت تربيك شكله يا عرصا؟

انسحب المحقق من خلف المكتب وتقدم باتجاهي، وأحضر معه عصا خضراء اللون**، أغمضت عيني، انهال علي بالضرب المجنون، ضربني ضربني ضربني، جسدي كان يحترق تحت ضرباته في البداية، لكن عند عتبة معينة من الألم لا تشعر بشيء أبداً، بدأ الخدر يأكل جسمي شيئاً فشيئًا تحت وقع ضربات العصا التي تكاد تتكسر على جسدي. عاد إلى مكتبه وأخبرني أنه يعرف عني كلّ شيء، منذ ولادتي حتى هذه اللحظة. خرج من الغرفة ليعود بعد قليل ومعه أحد العناصر لكي يعيدني إلى الزنزانة. لا أعلم حقاً كم استغرق التحقيق، لا أستطيع أن أقدر، لكنه كان عمرًا. مشيت مع عنصر الأمن وجسدي يئن تحت خطواتي، لم يضربني هذه المرة، لكن بقية العناصر في الممرات كما العادة كانوا يتحرشون بي لفظياً: شو هالفخاد، شو هالطيز، أشقر يا عرصا.. وغيره من العبارات التي تلدغ كأفاعٍ وتسمم الجهاز العصبي. فتح باب الزنزانة ورميت في الداخل مجدداً، خلع السجان عن عيني العصبة، وفك يدي وأمرني بالعودة إلى المنفردة مع سيل الشتائم. كنت أريد البكاء، لا من الوجع، بل من الذل الذي تعرضت له. عيون السجناء حولي كانت تراقبني، وتنظر إلي بشفقة وخوف، أعتقد أن الكلّ كان يتساءل كما كنت أفعل من قبل: هل حان وقتي اليوم؟ اقتربوا مني بلطف وبدؤوا يسألونني عن حالي:

- طولت، انشغل بالنا - انت منيح؟ - قعود قعود ارتاح. - قوم قعده مكانك. - بدك تاكل شي؟ - لا تخاف ما بصير غير اللي كاتبه ربك. اكتفيت بهزّة للرأس وابتسامة متعبة. لا قدرة لدي على الكلام. جلست وضممت قدمي نحو صدري، بدأ جسدي المخدر يستيقظ رويدًا. أغمضت عيني وبدأت أردد تحت دبيب ألم لا يحتمل: إلهي أرجوك.. أريد أن أموت.


*عندما يشدون العصابة على  العيون يترك السجانون أحيانًا فراغاً قليلاً من الأسفل لكي يتمكن السجين مراقبة قدميه وهو يمشي بحيث لا يتعثر خلال الطريق ويضطرون لمساعدته.

** العصا الخضراء التي يستخدمونها في التعذيب هي أداة يتم استعمالها عادةً في التمديدات الصحية للمنازل، وتلقب بالأخضر الابراهيمي نسبة للمبعوث الأممي السابق إلى سوريا.

0 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"