باب اللجوء: فصل الترحيل القسري

Updated: Oct 4, 2019

يعاني كثير من السوريين من أوضاع بالغة القسوة وعنصرية بأشكال مختلفة، لا تبدأ بسؤال "متى سترحل" ولا تنتهي بخطابات سياسية عنصرية، بل تتجاوزها إلى تسليم نشطاء مطلوبين لنظام الأسد. تكتب راما الزيات عن شعور اللاجئ الهارب من الموت في بلاده ومن الاعتقال في أقبيتها، وعن خوفه الملازم من الترحيل إليها.


بدأت الطائرات تعلو في سماء مدينتنا، وتهدم البيوت والمساكن فوق أهلها. لم نكن قبل ثمانية أعوام نريد الخروج من منازلنا، لكن سياسة القبول بالأمر الواقع بدأت تعتمل داخل عقولنا، ببطء، مع سلسلة الفقدان المتتالية. ومعها بدأت حكاية اللجوء بفصولها المتعددة.


عندما تخرج من منزلك تتسع رقع المآسي في قلبك، تربّت عليه متذرعًا " المنزل ضاع، لكني مازلت في البلد" وعندما تُجبر أن تترك أرضك تتحسر: "بالبلاد ولا بالعيال". إنه قدرك. تحارب لتبقى حياً في بلاد اللجوء، في بلاد تنظر إليك على أنك غريب "معتر". تعيش وسط أناس يرونك عالة متطفلة غالبًا. و إن رحمك الزمان بأناس لطفاء حولك لن تنجُ من لعنة سياسية عمياء تهدد وجودك ومصيرك. لقد عبرت باب اللجوء وهذا أمامك: فصل التأقلم.

لستَ مطمئنًا منذ أن تركت منزلك، ولن تكون آمنًا حتى بعد أن تركت سوريا. يبدو أن الاعتقال ليس منحصراً في زوايا أسرّتنا كشبح يزورنا كلما حاولنا الخلود للنوم، ويطرق باب قلبنا بوحشية. لقد صار هذا الشبح رديفاً لواقع يعمل سياسيّو بلاد اللجوء التي هربنا إليها على تحقيقه وجعله حتمي. في محاولاتهم للتطبيع مع نظام الأسد يبدو أنه لا مفر لك من ذلك القبو العفن. ويبدو أن الدنيا تضيق أمامك ومعتقلات الأسد تفتح لك أبوابها. إنه فصل الخوف.


سياسات التطبيع مع النظام تبدأ بفتح الحدود الدولية بين البلدين ولا تنتهي بتسليم المطلوبين للنظام. نعم! حتى بلدان اللجوء تتحول إلى بوابات عبور إلى سوريا الأسد وأقبيتها. من الواضح أيضًا أن الخطاب السياسي الذي تم تبنيه في بداية الثورة ضد الأسد بدأ ينحسر تدريجياً. هذا ما شهدناه في تصريحات الزعماء المتبدلة، وتغير الخطاب ولينه. كل حملة انتخابية في البلدان البعيدة والقريبة من سوريا، تتطرق لوجود السوريين على أرضها وتلعب بهم كعامل جذب ودفع للناخبين، وإبان كل انتخاب ديمقراطي جديد يسكن الخوف قلوب السوريين مرة أخرى. فالحل الذي كان مستحيلاً بوجود الأسد بات وشيكاً، والخطوط الحمراء صارت خضراء وصالحة للعبور. والجميع يجد مبرراً يرضي سلطته.


هنا يعيدون فتح "سفارة سوريا"، وهناك يحتفلون بعودة الطريق الدولي لمساره بعد فتح الحدود معها، وفي مكان آخر يوقعون اتفاقيات ومعاهدات مع النظام لتسيير مصالحهم. آخرون يزورون الأسد في دياره. خلال ذلك يستمر قصف "إدلب" المساحة الآمنة الأخيرة بعيداً عن بطش الأسد سلطوياً، وتحت نيرانه جوياً، إدلب التي جمعت كل الذين رفضوا التسوية مع نظامه وأصروا على الثورة ضد سلطته. العالم لا يرى ولكن رائحة الدم تكاد تخنقه. حتى "جماعة المصالحات" الذين وافقوا على التسوية مع الأسد لم يسلموا من بطشه. عشرات الشباب تم سوقهم للخدمة الإلزامية ووضعهم على الجبهات المشتعلة، رغم تعهدات النظام بكفالة روسية أنه لن يفعل. آخرون غاب نجمهم تماماً بعد المصالحة، لربما دخلوا صندوق الأسد الأسود. كل الاتفاقيات هنا تؤدي لخاسر واحد: الشعب.


أما السوري اللاجئ وبعد أن كان يحارب في سبيل لقمة عيشه وسقف فوق رأسه، يحارب أكثر كي لا يكون ضيفاً ثقيلاً في بلاد اللجوء. ويحارب ظل حياتِه المنطفئة وكل ما حمله معه من سوريا من مخاوف وكوابيس ودم وذاكرة وموت، فإنه يعود اليوم ليكون ورقة سياسية تباع وتشترى لإرضاء غرور السياسيين ومصالحهم لدعم صلاحية مقاعدهم وجيوبهم. سوريا السجن الكبير الذي خرجنا منه يوماً صار وحشاً يبتلع العالم. إنه فصل الخيبة.

سوريا السجن الكبير الذي خرجنا منه يوماً صار وحشاً يبتلع العالم. إنه فصل الخيبة.

ربما تتصدر لبنان واجهة الدول العنصرية اليوم بسبب الممارسات التي ترتكبها بحق اللاجئين السوريين بتحريض حكومي صريح. لكنها بالتأكيد ليست الوحيدة، بدأت عدة بلدان في الوطن العربي بالتصالح مع بقاء الأسد وبمنحه الشرعية، حتى أولئك الذين بدوا مؤيدين للثورة ضد الأسد وداعمين لها. التفسير الوحيد الذي جعل عقلي يستوعب هذا التحامل السياسي في وقت واحد، هو أن العالم يشبه الأسد وأن المستبدين في العالم العربي البائس يستفيدون من بقاء الديكتاتورية ولا يريدون للثورات أن تنجح لأن خسارة الثورات تعني استمرارهم في قمع شعوبهم بأمان ودونما خوف من عقاب قادم. يسقط اللاجئ في المعركة الأخيرة، كل الاتفاقيات تعقد ودمه آخر ما يُختَم به. ينادون ويشجبون باسمه، ويوقعون ألف عريضة تحت الطاولة تسمح بقتله، واعتقاله، وتصفيته.


يُسأل الناجي السوري في بلاد اللجوء ألف مرة "متى سترحل؟ ألم تصبح دياركم آمنة؟" في المحطات، في الزيارات، في لافتات الشوارع، حتى على مواقع التواصل. لتواجه ذلك عليك أن تكون صبوراً، لترد على فكرة المطّبلين الذين اعتبروا العودة لدمشق والسياحة فيها هي عودة حنينِ لبلد الياسمين، والمشي في شوارع اعتادت صوت القصف ليل نهار أمر طبيعي بل ونوستالجيا رهيفة. ولتكرر على مسامعهم أن البلاد فرغت من غالبية أهلها، وأن بقية المقموعين هناك لا حيلة لهم سوى الحسرة. أما أصحاب النصر المزعوم فيصُولون ويجولون في شوارع مدننا. يمسحون كل أثر تركناه في مظاهراتنا، وكل كلمة حرية كتبناها على جدرانها، وكل قطرة دم نُزفت هنا وهناك.  


لا نستطيع أن نستريح حتى في منافينا، كلما فكرت بخيار ترحيلي القسري من جديد، في الوقت الذي تغلق كل البلدان أبوابها في وجهنا، وتنعدم خياراتنا بالتواجد في أي مكان آخر سوى سوريا، أرتبك وأنطوي على نفسي. قبل أن أفكر بجدران المعتقل الباردة التي قد تنتظرني، أفكر بدمشق، دمشق  المحتلة وهي تكدس صور المجرم وأبيه، في حواريها وطرقها. أتخيل كيف يبدو وجه الأسد مكشراً عن أنيابه بابتسامة صفراء. وفي مقابله تواجهني خيالات أصدقائي الشهداء، أولئك الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، جثثهم مزرقة ومقتلعة الأعين، المشهد يطحن الروح.


الصورة لعدسة شاب دمشقي

تخيفني فكرة العيش في دمشق في ظل الأسد أكثر مما قد تخيفني فكرة الموت في عتمة معتقلاتها. لا أرغب في العودة إلى دمشق، ليس الآن. ليس بعد خمس سنوات من محاولات التأقلم مع كل أشكال الصراعات النفسية والحياتية. سوريا لم تعد مجرد بلدٍ غير آمن يهددنا نحن الذين ثرنا ضد الأسد ويواجهنا بالموت أو بالاعتقال. سوريا اليوم هي مرتع لانكسارات صار عمرها ثمان سنوات، ملايين المهجرين والغائبين، وآلاف الشهداء والمعتقلين. سوريا البلد الذي يشبه الأسد بأمان الذل فيه اليوم.. ما عاد لنا. 

هواجس الترحيل القسري هذه ترافق السوريين دون استثناء، في صحوهم ومنامهم. حتى ذلك الذي استطاع الوصول إلى دول العالم المتقدم التي تدّعي دعم وحماية حقوق الإنسان لم ينجُ منها. مهما كانت الوثائق والأوراق التي بيده، سينام السوري قلقًا خائفًا أن يستيقظ ذات يوم ويجد نفسه سجينًا في أرضه.

0 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"