سرديّة لاجئ

Updated: Aug 16, 2019

بقلم : عبد المجيد الخطيب

سأحاول خلال هذه السردية تسليط شيء من الضوء على معاناة جيل سوري كامل، بل ربما أجيال تركت بلدها وتقطعت بها سبل الحياة لتصبح وقودًا لمعارك سياسية واجتماعية في الدول التي لجؤوا إليها.

ذلك السوري، قليع العين، شاحب البشرة، أشعث الشعر، سيئ السمعة، المنهمك في أفضل الأحوال بالتخطيط لعملية اغتصاب إحدى الفينيقيات، أو سرقة محل نشمي، أو الاحتيال على أحد أمراء بني عثمان. وتلك السورية التي تمتلك ما يكفي من الوقاحة لكي تجر عربتها وترتدي حجابها في أحد القطارات السريعة في ألمانيا وتعكر مزاج أحد الآريين الذين يعتبرونها قادمة من أجل العيش والمكوث هي وأطفالها في بلده لتقتات وتقيت أطفالها من ضرائب عملهم، الذي ما كان لهم أن يملكوه أصلًا لولا حروب ساهمت بها بلاده في الشرق المنكوب.

في طريقي الطويل بين بلدان اللجوء والذي انتهى بأوربا واجهت كثيرًا من أشكال وألوان العنصرية. سأحاول قليلًا في هذا السرد، عدّ، وفهم بعض مشكلات هذه المجتمعات مع اللاجئ السوري.

وفقًا لخبرة خمس سنوات من إقامتي في تركيا، لاحظت أن هناك قائمة تصرفات مزعجة عليك تجنبها في البلد لكي يرضى عنك أهله. أول هذه التصرفات هي أكل البوظة (الآيس كريم) في الطريق العام أو الكتابة باللغة العربية على واجهة المحلات باستثناء حرفي الواو والنون، المأخوذين عن العربية والحاضرين في الثقافة التركية. حتى التحدث باللغة العربية في الشارع أو على الهاتف من الأفضل تجنبه كما الأغاني العربية طبعًا والنرجيلة والحجاب السوري. من أهم ما عليك تجنبه هو ضبطك علنا جالسًا في أحد الكافيهات أو البارات والمطاعم كما قيادة السيارة بنمرة سورية. باختصار الابتعاد عن كل ما يدل على أنك عربي لكي تكون على شط الأمان من العنصرية.

في حال استلطفك تركي ما، وهذا يحدث أحيانًا، فعليك أن تكون مستعدًا نفسياً لعبارة "إنت حدا منيح ما مبين عليك سوري" طبعاً قائل هذه العبارة سيكون بانتظار كلمة ”تشكرلار“ أي شكرًا، على مديحه، تقديراً منك لجهوده التي ميزتك عن باقي السوريين المسوخ قليعي العين والحياء فاقدي الحس أو باختصار بـ ”لا حس ولا ذوق” بحسب وصف ملهم دروبي، المعارض و الناطق الرسمي باسم حركة الإخوان المسلمين في سوريا.

أما في دولة كـ لبنان ( فينيقيا الفوقة*) أو الأردن مثلاً فلن يختلف الموضوع كثيرًا. دعونا نبدأ بأحد الفينقيين الذي صوّر فيديو ونشره على أحد مواقع التواصل الأجتماعي، ليثير جدلًا وضجةً ويفسح المجال أمام بقية أبناء جلدته لحفلة لعن السوري ووصفه بأحقر العبارات التي يستحقها طبعاً، حيث أن هذا السوري لم يبق لحسين أو لميشيل فرصة عمل في بلده، لقد نهبها! فالسوري الوقح لم يترك ورشة بناء إلا وعمل وكد وشقي فيها ولا مطعمًا إلا بحث فيه عن عمل. مكانة حسين بيك وميشيل آغا الاجتماعية أعلى من هذا العمل الوضيع أو من معظم المهن التي يزاولها السوري في لبنان، مثل الفلاح والعامل والنجار (وصبي الحمام**) وهذا طبعًا ليس لأن السوري غير متعلم، أو تنقصه الشهادة ويفتقد للخبرة، بل لأنه يرضى بأي شي يجلب له ولأطفاله القليل من الليرات ويؤمّن له سقفًا فوق رأسه. لكنهم رغم ذلك يحسدونه عليها.


لنترك لبنان، البلد الصغير الذي حوى سوريين ما يفوق طاقته ونتجه إلى أوروبا. حسب تجربتي الشخصية المبنية على مكوثي بأحد ولايات ألمانيا الشرقية المشهورة بتقبل الثقافات المختلفة والاندماج معها بشكل سحري "وحطلي سحري بين قوسين على قولة سلنگو*** " فالأوضاع الاقتصادية أفضل لكن عليك مداراة أمة الله هناك. جُل ما يغضب عجوز ألماني في الشارع أو شاب ألماني في أحد مؤسسات الدولة هو سوري يرتدي ساعة في يده أو يحمل جهاز Iphone مثلاً أو يرتدي ملابسًا مرتبة لا تعكس البؤس والشقاء اللذان يدلان على أحقية مرتديها باللجوء والإقامة في ألمانيا، أرض الميعاد، ذات ثقافة البطاطا الجميلة ودرع البيرة. تحنبا المشاكل ولفت النظر، اخفِ جهازك المحمول واترك ساعتك في المنزل لكي يرضى الله عنك ويرضى عنك المواطن الأبيض القلق على كل قرش يدفعه من ضرائبه.

كثيرون سيرحبون بك ويشفقون عليك، لكن عليك أن تثبت أنك هذا اللاجئ المستحق لذلك، حملك لجهاز موبايل وساعة يشي بغير ذلك. لكن لاتقلق فأكثر من سيرحب بك هو الصحافة الألمانية، ستلاحقك كنجم وتقتفي أثرك كعضو في البرلمان الأمريكي. أنت خبر دسم لها، كل تحركاتك ترصدها بدقة، لولاك وأزمة لجوئك ستكون معظم أخبارها لا تتعدى الحديث عن حالة الطقس وانقراض طائر أبو منجل. من الطبيعي جداً أن ترى تقريراً صحفيًا عن لاجئ سوري، يحضر حفلة موسيقية أو قطعة مسرحية، فكيف لهذا المسخ وليد المجتمع العفن المفتقر إلى كل ما هو حضاري وإنساني أن يأتي بهذ الحس المرهف! يا لطيف.


كل هذا ليس مشكلة، دعونا نتحدث عن السوري الاستثناء، ذلك المندمج بالمجتمع المضيف أكثر من أبنائه شخصياً، والذي غالبًا ما يبدأ حديثه بعبارة ”إنتو السورين“ مشيرًا بإصبعه السبابة الى الأسفل مرفقًا ذلك بعبارة من قبيل ”رح تبقوا نَوَر، بتسودوا الوش” وغالبًا مايرفقها بشرح أن هؤلاء السوريين، الذين يشكلون قرابة ال 23 مليون يعكرون صفوه ويعيقون دوران عجلة الاندماج السريعة في البلد المضيف. شخصيًا أعتبر هذا النوع من البشر أتفههم وأغباهم على الإطلاق ولا يستحق سوى الشفقة وكأسًا من الشاي الأخضر لتهدئ من روعه. طبعًا حين قلت مندمج لم أقصد الاندماج بمفهومه الإيجابي كما تطرحه الحكومات الأوربية كتعلم اللغة والقوانين وبعض العادات والتقاليد وإنما بمعنى الانسلاخ والمفارقة لأبناء قومه والترفع عنهم.


هل صارت ”سوريتنا“ تهمة؟ وهل صار مجرد وجودنا يحتاج تبريرًا؟ أتساءل بيني وبين نفسي. هل نحن السوريون الذين خرجنا من سوريا حقاً نعاند القدر و“نتانح“ الكون كوننا أحياء الى هذه اللحظة؟ هل ندفع ضريبة ذلك؟ هل ذنبنا الوحيد أن الموت المتمثل بقذيفة أو صاروخ أو رصاصة أو برميل فاتنا وأصاب الأخرين بقربنا؟ هل حقاً لا يحق لنا الاستمتاع بقراءة كتاب ما في أحد المقاهي أو شرب البيرة كباقي الشعوب؟

هل غياب الجسم السياسي الجامع الذي كان على الائتلاف السوري أن يكونه، مخاطباً الدول في الخارج، جعلنا الكرت الأضعف كلاجئين ولقمة سهلة للحكومات والشعوب وصراعات الأحزاب؟ هل بضعة ملايين السوريين يهددون أمن مليارات البشر على هذا الكوكب؟ ويهددون ثقافاتهم وتقاليدهم وحاضرهم ومستقبلهم وهويتهم ولقمة عيشهم؟

أعتقد بأن الإجابة على كل تلك الأسئلة المشروعة يكمن بالعودة إلى سورية، إلى دمشق، مكان مكوث رأس السلطة المتوحشة التي زجت بنا وبأحلامنا المشروعة بين أمواج البحر المتوسط وعلى حدود الدول وفي المخيمات وفي السجون وفي معسكرات الاعتقال، في الجزر وعلى اليابسة وفي المطارات نفترش الأرض ونلتحف السماء حالمين بالأزرق والأخضر والليلكي أو أي لون آخر، غير ذلك الغامق المطلق السديم المجرد من الأمل.


* فينقية الفوقا أحد المسميات التي تطلق على دولة لبنان من باب السخرية

** صبي الحمام هو أحد الأمثال الشعبية المستعملة في سورية كدلالة على الشخص البسيط مسلوب الكثير من الحقوق الراضي بالأجر البسيط. في المثل الشعبي المشهور يقال : متل صبي الحمام إيد من ورا وإيد من قدام .

*** سلنگو هو بطل أحد المسلسلات السورية الكوميدية (ضيعة ضايعة) وقد كان يستعمل كلمة بين قوسين كدلالة على السخرية على شيئ معين


300 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"