• sameralnajjar16

سندويشة إلى الجبهة

حصل في حمص في إحدى ليالي شهر شباط للعام ٢٠١٢ أن كنت جالساً مع بعض الأصدقاء على قارعة الطريق نتناقش ونتجادل حول الأوضاع السياسيّة وتصريحات المسؤولين والدبلوماسيين الدوليين حول الوضع في حيّنا، والتطورات العسكريّة والميدانيّة في مدينةٍ، بات العالم أجمع يعرف اسمها. كانت الحرب قد أغرقت الحيّ في ظلامٍ دامس وأصواتنا تعلو شيئاً فشيئاً مخترقةً هدوء الليل القاتل. بعد أشهر من غياب الكهرباء – التي بات وجودها يعتبر رفاهيةً بالنسبة إلينا – بدأنا نعتاد الحياة بدونها، وإذا ما تذمّر أحدنا من انعدام الخدمات وتغيّيب البنى التحتيّة، كان ينبري له الآخرون بقولهم أن أجدادنا قد عاشوا حياتهم كلها لا يعرفون الكهرباء والاتصالات، وعاشوا سنيناً طويلةً بسعادةٍ وبصحةٍ جيّدة رغم عدم وجود المستشفيات والرعاية الطبيّة والمدافئ التي تعمل على الوقود.

اللوحة لراما الدقاق من فريق لسا موجود

بينما كنّا نفكر ماذا عسانا نفعل لنسلّي أنفسنا في هذه الليلة التي لا زالت في بدايتها اقترح أحد الأصدقاء أن يأتي ببعض الحطب لنغلي الشاي وراح يحكي لنا عن طعم الشاي على الحطب مع السجائر الوطنيّة التي أصبحنا مضطرين لتدخينها لعدم توفر تلك الأجنبية ذات الجودة العالية. وانبرى صديقٌ آخر بغرورٍ ليدعونا إلى منزله حيث يملكون مولدةً كهربائية تشغّل التلفاز فيصير بإمكاننا متابعة "حصاد اليوم" على قناة الجزيرة فاستنكر عليه آخرٌ اقتراحه بنرجسيّةٍ لطيفة مدعيًا أن لا حاجة لنا بمتابعة الأخبار في الفضائيات، فنحن هنا نعيش تلك الأخبار يومياً، بل ونشارك في صنعها أيضاً.


كنّا، أثناء نقاشنا الساخن هذا، نسمع بين الحين والآخر أصوات طلقاتٍ ناريّة متبادلة، فنبدأ بتخمين مكان المناوشات، يقول الأول بثقة: "القصور" فيجيبه الآخر متحدّياً: "لا. بل جورة الشيّاح!". ثم نبدأ بتخمين أنواع الأسلحة المستخدمة من أصواتها، فيما إذا كانت طلقات قناصة، بي كي سي أو كلاشنكوف وهلم جرّا. كانت تخميناتنا لا تختلف عن بعضها كثيراً فقد صار لنا باعٌ طويلٌ في أصناف الأسلحة المختلفة وأصواتها. من الصعب على الإنسان الطبيعي أن يتصوّر أنّه يوماً ما سيستطيع التكيّف مع الحرب والتعايش مع واقعٍ تفوح منه رائحة الدم والبارود ولكنّنا كنّا قد تعايشنا بالفعل. حتى أنّ الموت نفسه كان قد خسر قدراً كبيراً من مهابته أمامنا، كما الدولة تماماً، رغم أن كلاهما كانا لا يزالان يمتلكان قدرتهما المرعبة ذاتها على تعذيبنا وإلحاق القهر بنا.

للفوضى والانفلات طعمٌ جميل، رغم كل مثالبهما ورغم أنّني لست من أنصار نظامٍ اجتماعيّ كهذا ولا أرى بديلاً عن دولة قانونٍ قويةٍ تفرض سلطتها على الجميع ولم أكن أرتاح للأناركيّة التي كنّا نحياها في تلك الفترة إلّا أنّ الشعور الذي كانت تخلّفه تلك الفوضى كان يشعرنا بالنشوة، بالتحرّر الكامل وبالابتهاج. كيف لا ونحن من كنّا نشعر أن الدولة تشكّل عبئاً ثقيلاً جاثماً على صدورنا. فأجهزتها وموظفيها لم يكونوا يوماً موجودين لخدمتنا، بل إمّا لمراقبة أقوالنا وأفعالنا وعدّ أنفاسنا، أو للتعيّش علينا. فقد كان المواطن العادي البسيط يشكّل مصدر دخلٍ إضافي لموظفي الدولة الإداريين إذا ما أراد تسيير معاملةٍ ما، ويشكّل دخلاً لمخبري الدولة إذا أزعجهم أو خرجت منه كلمةٌ بحق الحكومة أو ما شابه. فيعيلون أسرهم على حساب حرّيّة الضحيّة وعذاباتها. كنّا نعيش حالةً رائعةً من التضامن بين أبناء مجتمعٍ يتغذون على بعضهم البعض. والحال أنّ هؤلاء الأشخاص ليسوا فاسدين في نظر أنفسهم أو نظر القانون بشكله المطبّق، فكون كل شيء يجري تحت عباءة الدولة، كان كافياً طبعاً ليعطي شيئاً من الشرعيّة لأولئك المرتزقة. فيقتنع هؤلاء "المتعيّشين" بأنهم على حق أو على الأقل بأن عملهم هذا مبرّر. فعندما يصبح الانتقاد خيانة، والمطالبة بالحقوق اشتراكٌ في مؤامرة والتعبير عن الرأي نيلٌ من هيبة الدولة والرشوة ثمن فنجان قهوة ونوع من التكافل بين المواطن والموظف، كون راتب الموظف لا يكفيه حتى منتصف الشهر، فعلى البلد السلام.

كان الشعور السائد سابقاً بأن المخبرين التابعين للأجهزة الأمنيّة معنا في كل مكان. في الجامعة والمقهى، في مكان العمل وفي الحمام، وفي غرف النوم، فحتى عندما يمارس المواطن الجنس مع زوجته بعد سماع نشرة الأخبار على سبيل المثال، يجب أن تكون أعين الدولة وآذانها هناك في الظلمة، تراقب آهاتهما التي يجب ألّا تنطوي على تلميحاتٍ سياسيّة، أو مطالباتٍ بحقوقٍ اجتماعيّة، كحقوق المرأة ورعاية الطفل والأسرة مثلاً، فالدولة مسؤولة إذاً عن مراقبة العمليّة الجنسيّة، لا عمّا ينتج عنها! وطبعاً لا يجب أن يكون أي إنسان خارج الشبهات بأن يتبع جهاز مخابراتٍ ما، حتى الشريك والشريكة الجنسييّن. هذا مثالٌ قد يلخّص دور الدولة الأمنيّة في حياتنا، تراقب ولا تتدخّل إلّا إذا تجاوزنا الحدود، تتدخّل لتأديبنا!

كنا نشعر حينها بتحرّرنا من كل هذه الترّهات، نشعر بمتعة الحرّيّةِ المطلقة، نشعر بخفّةٍ كبيرة. على اعتبار أنّه كان بإمكاننا شتم من نريد من الشخصيات التي كنّا سابقاً نخشى حتى ذكر اسمها. وهذه كانت قمة الحرّيّة بالنسبة إلينا. كان شعور السبّ للمرة الأولى لا يوصف. شيء يشبه النشوة الأولى والقبلة الأولى. فالقبلة قبل أن نعيشها نكون قد سمعنا بها كثيراً وتقنا إليها ولكنّنا لا نعرف طعمها حتى نجربها، فنعشقها. وهذا ما جرى. فإن كان العاشق يخاف غياب الحبّ بعد أن تذوّق طعمه أخيراً، فنحن كنا نخشى عودة سلطة الدولة لمناطقنا، فكيف لنا أن نحفظ ألسنتنا كما كنا نفعل سابقاً؟؟

نحن شعبٌ يحب السباب والشتائم ويتفنّن بها، بطريقةٍ تشبه ارتجال الشعر في العصور القديمة، وقد حُرمنا من حقنا في الشتم دون قيودٍ لعقودٍ طويلةٍ من الزمن. فكثيراً ما كان يُسأل في بداية الثورة على سبيل الدعابة وأحياناً بشكلٍ جديّ حتّى، لماذا يستطيع المواطنون الأوربيون شتم مسؤوليهم في الشارع وعلى العلن ونحن يحرّم علينا ذلك؟! فكنت أحياناً أرد على السؤال مازحاً: "سبّ ساركوزي مين كامشك؟"

بعد أن تحرّرت أفواهنا تحوّل شتم بعض الشخصيات المحليّة التي كانت تتمتع بهيبة وقدسيّة الإله سابقاً إلى وسيلةٍ للتعبير عن الغضب بشكلٍ يوميّ. فإذا انقطعت الكهرباء شتمنا الرئيس وإذا نفذ غاز الولاعة شتمناه، وإن تعثر أحدنا في الطريق شتمناه وهكذا.

ما زالت الكهرباء مطفأة وأحاديثنا مشتعلة وفي خضم جدالنا الصبيانيّ لمحنا صديقنا محمّد حاملاً كيساً صغيراً قادماً باتجاهنا، ينير طريقه بالمصباح الصغير الملحق بالولّاعة. كان يتأنى في مشيته متفرّساً وجوهنا وموّجّهاً ضوء ولاعته الساذج إلى حدقات أعيننا وأنوفنا فصرنا نقفز أمامه شاتمين، فأنزل ولّاعته وراح يسلّم علينا ويصافحنا واحداً تلو الآخر بحرارة فنحن لم نره منذ زمن. لقد كان محمّد ناشطاً في الحراك الثوري أكثر منّا جميعاً، فمشاركة معظمنا، ومن بينهم أنا، كانت قد اقتصرت على القفز من مظاهرةٍ إلى أخرى فقط، أمّا محمّد فقد كان ناشطاً على أكثر من صعيد.


أخبرنا محمّد بأنّه يسكن الآن لوحده لأن عائلته اضطرت للنزوح، فبيتهم يقع في منطقة تماسٍ بين حيّين ساخنين وقد يتعرض المنزل للقصف في أي لحظة، خاصةً أن المنزل كان متهالكاً وقديماً للغاية ويعتلي مبنى مؤلفاً من خمسة طوابق. وسألنا محمّد ماذا نفعل الليلة وعرض علينا لعب الورق في منزله الذي هجرته عائلته فوافقنا جميعاً. وبينما نمشي باتجاه منزله، كاسرين بأصوات ضحكاتنا صمت هذه المدينة المرعب الذي يخيّم عليها منذ أشهر، قال لنا محمّد بأن مهمةً تقع على عاتقه وهي إيصال ذاك الكيس إلى أحد رفاقه المقاتلين الذي يتناوبون على حراسة المنطقة. تذمّرنا جميعاً، فلو كنّا نعلم أنّه لديه ما يشغله لما قدمنا معه. إلا أنّه أصرّ أن مهمته سريعة ويسيرة وإنه يؤسفه أن يترك رفيق سلاحه الليلة دون طعام ويحرمه من "سندويشة الكباب الدبل" التي كان يحملها له في الكيس على حد تعبيره. بعد أن نجح محمّد باستمالة عطفنا تجاه ذلك المقاتل، راح يقنعنا بالذهاب معه لإيصال السندويشة إلى الشاب. لقد كنا خمسة شبّان، وعبورنا جميعاً تحت أنظار القناصين، الذين تكشف أعينهم كل مفارق الطرق في المدينة وتتربّص فوهات بنادقهم الحديثة بجماجم المدنيّين، مخاطرةٌ غير محمودة العواقب، بالطبع سيكون ذهاب محمّد بمفرده أكثر عقلانيّة، فهو سيكون وحيداً مع الكيس العظيم أقل لفتاً للنظر. لكن محمّد كان مصرّاً على مرافقتنا له في رحلته تلك فوافقنا.


لم نكن على أيّة حالٍ نجهل حجم المخاطرة بالذهاب معه فالطريق إلى صديقه ليس بالهيّن أبداً. نحن سنذهب إلى أحد خطوط الاشتباك الأماميّة، إلى إحدى الجبهات المشتعلة وفي هذا ليس خطرٌ علينا فحسب، بل على المقاتلين أيضاً. كان ينبغي علينا في البداية اجتياز تقاطعٍ نعرفه جميعاً وهو مشهورٌ بأنه مراقبٌ من قبل قناصٍ يصيب هدفه تماماً وكان غالباً ما يسدّد عدسة قناصته إلى رؤوس المارّة مباشرةً فتكون نسبة نجاة الضحيّة قريبةً من الصفر، إن لم يكن موت الضحيّة حتميّ. عزمنا أن نجتاز التقاطع واحداً تلو الآخر ورحت أصلّي كي يكون القناص منشغلاً بقضاء حاجته ولا أدري لمَ تخيلت أنّه قد يكون فعلاً يقضي حاجته الآن، فهو في النهاية كائنٌ حيّ، فأنا أشكّ في كونه بشراً ينتمي إلى فصيلنا. هل يكون قد أعطى سلاحه لجنديٍ آخر بينما هو في المرحاض؟ سألت نفسي لكي أشغلها عن التفكير في شكل الموت وطعمه برصاصة قناصٍ في الرأس. هذا الموت الذي ربما يبعد عني الآن متراً واحداً لا أكثر.


ركض محمّد بأقصى سرعة بينما يضم الكيس إلى صدره، وتبعه صديقي الثاني مهرولاً محنياً رأسه نحو الأسفل وتبعهم الثالث، واضعاً كفيه على أذنيه بحركةٍ لا إراديّةٍ على ما يبدو، وهو يدمدم ويصلّي بكلماتٍ غير مفهومة، وجاء الدور عليّ، فتردّدت بعض الشيء فما كان من صديقي الأخير إلّا أن دفعني إلى الأمام وهو يهمس لي: "قول الله!" فوجدت نفسي أتوسط التقاطع مرتبكاً وخطر لي إن القناص يصوب صليب منظاره إلى عيني، فركضت بسرعةٍ كبيرةٍ إلى الجهة الأخرى شاتماً صديقي الأبله الذي نجا بدوره. لم ينبس أحد منّا بعدها ببنت شفة. كنّا نسمع وقع أقدامنا تضرب الأرض بقوة. كان البرد شديداً ولكنّني لم أكن أشعر به، ربما بسبب الأدرينالين الذي يشتعل في عروقي. مشينا بضعة دقائق قبل أن نصل إلى مبنىً مهجور. دلفنا إلى داخل المبنى ودخلنا بعدها إلى الشقة التي تحتل الطابق الأرضي. كان باب الشقة مخلوعاً وكانت الشقة خاليةً تماماً فظننتها في بادئ الأمر شقةً لم يكتمل بناؤها، لكن سرعان ما تبيّن لي خطئي. فقد كان سكان الشقّة قد نزحوا فتم بعدها تعفيش الشقّة ونهبها بالكامل إثر معارك الكر والفر. أجلت نظري في المكان فرأيت بعض الأغراض مرميّةً أرضاً، وما لبثت أن تعثرت بحقيبةٍ مدرسيّةٍ فارغة.


سألنا محمّد لماذا ندخل منزلاً كهذا فأشار، بينما يخرج ولّاعته الخضراء من جيب بنطاله، إلى أحد الجدران. أومأ لنا برأسه طالباً منا اللحاق به. كان الجدار يحوي فتحةً كبيرةً من الواضح أنّه تم فتحها للعبور إلى الشقة الموازية وبهذا يتجنب المقاتلون العبور بين الشوارع. كانت تلك الفتحات تسمّى "الخرّاقات". والحال أن معظم جدران الشقق التي دخلناها كانت تحتوي على خرّاقات وكلٌّ منها تؤدي إلى اتجاهٍ مختلف فعلينا توخي الحذر واتباع تعليمات محمّد الذي ينبغي عليه أن يكون مدركاً أين يأخذنا وإلّا قد يودي بحياتنا جميعاً. رحنا نتبعه في خطواته فندخل واحداً تلو الآخر عبر الخرّاقات ويقف محمّد صامتاً ومفكراً يتأمل الخرّاقات الكثيرة، كشارلوك هولمز عندما يستعصي عليه اللغز، محاولاً تذكّر الطريق مما أثار شكّي ومخاوفي. وصلنا بعد ذلك إلى منزلٍ يبدو أن سكانه قد غادروه للتو ولا يوجد به خرّاقات إلّا تلك التي عبرناها لدخول حديقة المنزل. وضع محمّد أصبعه على شفتيه بشكلٍ عمودي طالباً منّا الهدوء ثم خطا إلى الأمام فلحقنا به مرغمين. صعد بنا عبر الدرج إلى سطح المبنى وهو يردّد بصوتٍ منخفض بأن علينا الانتباه والصمت وعدم استخدام المصابيح، فالقناصين على مقربةٍ منّا ويجب أن لا يكشفوا هذا الطريق السريّ.


قفزنا من السطح الأول إلى سطحٍ مجاورٍ له ونزلنا مرة أخرى إلى الطابق الأرضي وانحنينا جميعاً مقلدين محمّد وزحفنا وراءه. كنّا نستطيع أن نسمع بوضوح أصوات الجنود في الخارج، لقد كانوا على بعد أمتارٍ قليلةٍ منّا وإن شعروا بحركتنا داخل المنزل المهجور فلن يتوانوا بالطبع عن قصف المبنى أو الانهيال عليه بوابلٍ من الرصاص. رحت أمطّ رقبني بحذرٍ محاولاً لمح الجنود في الخارج، لقد كان قلبي ينبض بسرعةٍ وقوةٍ كبيرتين حتى خيّل إليّ أنه سيخرج من مكانه. لقد عايشت قبل هذا الموقف عشرات المواقف التي اقترب فيها الموت مني حتى ظننت أنّني غير ناجٍ أبداً. لكن الأمر مختلفٌ الآن. أن يتم إطلاق الرصاص علينا في تظاهرة أو عند تجاوزنا للشارع راجلين أو استهداف سيارتنا هو أسهل بآلاف المرات من أن نُقتل أو نحاصر ويُمسَك بنا كجرذان وقعوا في مصيدة في عتمة هذا الليل. تبعنا خطوات محمّد مجدّداً وصرنا نبتعد عن الجنود شيئاً فشيئاً وتبتعد أصواتهم عنّا.


بدأنا بالتقاط أنفاسنا كمن نجا لتوّه من الموت، رغم أنّنا كنا لا نزال في خطر. بدأ محمّد يلتفت حوله في كل الاتجاهات، يخطو كل مرّةٍ خطوتين ويعود أدراجه مما أثار ذعري. كان يتحرك مرتبكاً ويائساً كأرنب ركض لتوّه عشرات الكيلومترات قبل أن يحاصر من قبل قطيعٍ من الضباع. كنا جميعاً نقف حوله مترصّدين حركاته تلك التي تنم عن رعبه وعدم ثقته وقد قرأ بدوره على ما يبدو الخوف في وجوهنا، فتنفّس بعمق وعدّل كتفيه وقفز من إحدى الخرّاقات بثقة آمراً إيّانا باتباعه. وقف بعدها صاحبنا وهمس لنا بأنّه أضاع الطريق وأنّ علينا أن نعود من حيث أتينا. قال كلماته تلك بينما الجميع يبلع ريقه بصعوبة.


أجهد محمّد نفسه في محاولة تذكّر الطريق الذي أتينا منه بينما نحن نلحق به بصمتٍ حتى عرف الطريق أخيراً. كان طريق العودة بالطبع يحمل نفس الخطورة، إلّا أنّ خوفنا تضاعف، ففي طريق مجيئنا كنّا نثق نوعاً ما بصديقنا الذي عرّف عن نفسه بأنّه خبيرٌ بالمنطقة وبات يعرفها "منزلاً منزلاً وخرّاقةً خرّاقة". ولكنّه الآن في أعيننا محمّد الذي أضاع الطريق وراح الجميع يتوعّده بالانهيال عليه ضرباً إذا ما نجونا بأرواحنا.

بدت لي كل البيوت متماثلة. مظلمةٌ وبلا روح. رحت اتأمل الجدران المليئة بالثقوب والأرض المليئة بالحجارة وبقايا الأثاث وصرت أسأل نفسي إن كان بالإمكان إعادة الأمان إلى هذه المدينة. لقد تم نهب هذه البيوت المتواضعة والفقيرة من قبل الجيران الذين يقطنون الحيّ المجاور بدعمٍ من وحدات من الجيش والأمن التابع للنظام. كان عليّ التفكير بمنتهى السلبيّة واليأس، أن لا شيء سيسمح بإعادة بناء الثقة بين الناس في هذا الوطن الذي بات ممزّقاً إلى درجةٍ لا يحتمل معها مزيداً من الرقع. كان كل ما حولي ينضح بالسواد، باليأس وبالقنوط.


بعد نصف ساعةٍ تقريباً وصلنا منزل محمّد، تنفسنا الصعداء وناولنا هو ورق اللعب. وبينما كنا نبدأ أول برتية تركس كان الشهيد محمّد، الذي قضى في وقتٍ لاحقٍ في حمص متأثراً بجراحِ تلقاها أثناء دفاعه عن المدينة، يلتهم سندويشة الكباب بأسى، ورفيقه المقاتل ساهر على الجبهة يدخّن سجائره على معدةٍ خاوية.

215 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"