عندما لم تفهموا الساروت

Updated: Jun 14, 2019


أمين نور - الساروت عند الساعة

تسابق معظم رواد الفضاء الثوري في الأيام الماضية إلى رثاء الساروت، كثير منهم حزنوا على فراقه ورثوه ندبًا ولطمًا. أغضبني كثيرًا أن الناس تنعي الساروت وكأنها تنعي الثورة، وقد تأجل فعلاً نشر هذه المقالة الناقدة احتراماً لمشاعر الناس وتقديراً لروح الشهيد. صحيح أنني لست بطلًا شعبيًا ولا هتافًا مشهورًا لأكون صاحب رأي معتبر وشعبي، لكني أتهم جميع من ندبوا ولطموا بعد رحيل الساروت بأنهم لم يفهموه. بالفعل، ما صدمني أكثر من رحيل الساروت، هو كم أٌسيء فهمه.


لم نفهم الساروت


في أواخر 2011، خرجت مظاهرة عظيمة في حمص وكان الساروت يقودها. في نشوة ثورية عميقة كنت أهتف معه ومع الجموع المنتشية بأنغام الثورة، كانت الهتافات تدعونا للتسامح مع الموت، للتشجيع على بذل النفس، وللثبات أمام احتمال اللاعودة إلى المنزل. في تلك الأيام (أي بعد مرور تسعة شهور على الثورة) كان بديهيًا أن التسامح مع الموت والاندفاع لبذل النفس والاحتفال بالشهادة هو شرط ثوري.


كان الساروت بالنسبة لي واحدًا منا وفينا، إن استشهد فهو كما لو أنني -أنا، المغمور المجهول- استشهدت، كما لو أن أي شاب آخر مجهول استشهد، كنت أشعر بهذه المساواة عميقًا، فالساروت مثلنا، إنسان بأخطائه، شاب برعونته، ثائر باندفاعه، متسامح مع فكرة استشهاده. كنا نتكلم عنه كما لو أنه شخصٌ عادي، صديق بعيد، أو أحد معارفنا من الحي المجاور. كنا نغتابه بصوت عالٍ، لا كما نهمس عند الحديث عن ضابط مخابرات مثلاً. هذه الصفات حصراً هي التي جعلته في نظري واحداً من الشعب، أحداً يشبهني، شخصًا متساوياً مع الآخرين ومشابهًا لهم. بعضنا كان ينتقد صوت الساروت ويقول عنه "قبيح"، بعضهم يقول "بدويٌ جداً"، بعضهم يقول "غر"، "بلاها الأغاني، خلينا بالهتافات هلأ"، "طائفي ولو!" بعضهم يشتم والآخر يتهم. لكن، وهذه أهم "لكن" في كل الثورة لربما، كنا جميعنا، وأعني جميعنا، ناقديه ومحبيه، المشابهين لفكره والمعارضين له، مستعدون للموت مع أو وراء الساروت.. وكانت الحالة آنذاك أقرب لـ "مع" من الـ"وراء".


في تلك المظاهرة كنا نتجه نحو ساحة الساعة الجديدة في محاولة للاعتصام هناك. كان الساروت محمولاً على الأكتاف يهتف خلفي فيما كنت أنا في المقدمة. أمتار قليلة كانت تفصلنا عن الساحة عندما واجهَنا الأمن بالرصاص. سقط عشرات الشهداء من الصفوف الأمامية للمظاهرة.. وانتشر الذعر. كنت أتردد بين الانسحاب هرباً من الرصاص، وبين سحب الجثث والجرحى، وبين دعوة الآخرين لمساعدتنا في المقدمة.

ظننت يومها أن حشدًا بهذه الضخامة وهذا القرب من الساعة لن يتقهقر وأن المتظاهرين في الخلف سيفزعون لأولئك الذين في المقدمة، هذا ما راكمته من خبرتي الثورية وتجاربي في المظاهرات السابقة على الأقل. بعد اللحظات الأولى من إطلاق الرصاص أدركت أننا بقينا وحدنا دون فزعة. نظرت خلفي، وجدت الساروت جاحظ العينين مذعورًا ذعرًا لا يقل عن الباقين، باندفاع كان يحاول التقدم والهجوم باتجاه الأمن ومؤازرتنا في المقدمة، لكن شيئاً ما كان يكبله، يقيد حركته، عشرات المتظاهرين من محبيه تحلقوا حوله وهم يحاولون رده ومنعه عن التقدم و"المخاطرة" بحياته، كان الساروت يحاول التخلص منهم لكنه لم يستطع، فقد غمرته كثرة العضلات وتعالي الصرخات التي سَمِعَتها أذني "رجعو بالساروت.. هرّبوه وهربوا! إجا الأمن! طلعوه للساروت!"، كان واضحاً من عَيِنَي الساروت الدامعتين ومقاومته الفيزيائية للعضلات التي تكبله أنه لايريد الانسحاب، بل الانضمام والمؤازرة. لم يكن يريد أن يكون مجرد صوتٍ هادر، كان يدرك دوره الأهم، دوره كقائدٌ للمظاهرة العظيمة ومحركها، ووظيفته هي أن يصل بها إلى الساعة سواءًا بحنجرته أو بطريقة أخرى، لكن من حوله من محبيه أرادوا له غير ذلك، لقد منعوه من أداء دوره الحقيقي ووظيفته الأهم، واختزلوه إلى مجرد صوتٍ وحنجرة. وبدؤوا سنّة لعينة هي أن ساووا الثورة بوجهٍ ما بالرغم من معارضة الوجه بكل ملامحه.


أدركتُ في تلك اللحظات الدامية أننا وحدنا في المقدمة نتعرض لمجزرة، أدركت أنه لن تتم مؤازرتنا من أحد لأن الصف الثاني الذي يتلو المقدمة والمحجوز لـ "جماعة الساروت" وأحبابه ليس همهم الشهداء المتساقطين للتو ولا الوصول إلى الساعة، بل همهم شخص الساروت. الساروت، بات فجأة بالنسبة لي أحداً لا يتساوى مع "الأشخاص العاديين"، مع الثائرين في الشارع، كأن دمه غير الدم الذي يسفك في تلك اللحظات، كأن قبره سيكون كبيراً فخماً مزخرفاً وقبور الشهداء "الآخرين" ستكون متواضعة وغير مرئية.


أدركت أيضاً أن معظمنا لا يفهم الساروت، وأنه هو نفسه شاركني ألمي لما يحصل ورفضي له. نعم، أشهد أن عيناه وقلبه كانوا يشعون شرارات ورسائل لأولئك المتحلقين حوله ممن يريدون "حمايته" و استعراض حبهم له أن "اتركوني أيها الحمقى! لا أريد حمايتكم ولا محبتكم .. أريد الثورة، أريد الساعة، أريد لنا جميعاً أن نكون هناك، أريد أن أتمرغ بدم الشهداء الطاهر، لا أن أتجنبه".

تقهقرت المظاهرة يومها وفشل الاعتصام، واستشهد الكثير من المجاهيل الذين دفنوا في مقابر صغيرة، وتمرغت يداي وأحضاني بدماء شهيد بقي مجهولاً.

اللطم: ما هكذا نحتفل بالشهداء


رحيل الساروت فجر مشاعر الكثيرين، لكنني أرى أن العديد من محبي الساروت يفسدون عليه ما كان يريده، يفسدون على الثورة حركتها اللازمة للحفاظ عليها وعلى معنوياتها. إنهم يلطمون ويندبون اليوم من باب إظهار حبهم له، لكنهم مخطئون، فما هكذا يظهر حب الشهداء. رؤيتي لانفعالات الناس جعلتني أشعر كما لو أن دماء الشهداء المجهولين كلها بكفة، ودم الساروت بكفة أخرى توازيها. هل يقبل أحد يشعر بالمسؤولية الثورية أو يفكر بعقلانية—بمن فيهم الساروت والشهداء أنفسهم—بهذا الأمر؟ لكن تلك السنّة اللعينة الملعونة طغت! بات الوجه الثوري يعني الثورة. كلما مات وجهٌ محبوبٌ ما، يتصرف معظم الفضاء الثوري وكأنها ماتت، ويتصفّر العداد المعنوي، ويكون علينا إعادة بناء معنوياتنا من جديد وبصعوبة.

لطالما أخذت أغانٍ غناها الساروت وهتف بها من أمثال "وإن جيتك يما شهيد ما تبكين عليا" و "لا تبكين عليا لو شالوني الثوار" على محمل الجد، كنت من أولئك الذين يدعون البكائين في مواكب الشهداء إلى إيقاف بكائهم، ببرود وزجر، وأطالبهم بالاحتفال وشحذ المعنويات. كنت أطلب من أمهات الشهداء عندما يرونني ويبكين (أنا صديق وحيدهن البكر وقرة عينهن، أنا الذي لربما.. للحظة ما قد أكون بديلاً ولو نفسياً عنه) أن لا يفعلن ذلك، كنت أوبخهن عند بدء الندب والبكاء.. لربما، لربما كنت قاسياً، لكن قطعاً كان هذا الأسلوب الوحيد لمواساتي، ولمواساتهن، ولاستمرار كلينا بالثورة. وها أنا أزجركم جميعاً، وأقول لكم أن التعبير عن حب الشهداء لايكون بالندب، بل بالاحتفال بهم، وتحويل موتهم إلى مزيد من الإرادة و رفع للمعنويات الثورية.


من بين كل الأصدقاء والأقرباء والأحباء الذين استشهدوا لم تنزل لي دمعة على أحد. كنت أبكي الأحياء لا الأموات، أبكيهم إن اعتقلوا، إن حوصروا، إن هجروا، وأحياناً إن بقوا على قيد هذه الحياة. لكن عند الشهادة؟ أبداً. كنت فخوراً دومًا باستشهاد الشباب، وأنا نفسي أنتظر الموت مطالباً من حولي بعدم البكاء علي إن نلت الشهادة، بل على العكس، أطلب منهم الاحتفاء بي وإكمال حياتهم كما لو كنت حياً. فالشهيد حي، حقاً حي. إن دم الشباب هو الثمن الذي على الثورة أن تدفعه، وكل شاب واجه الموت خلال هذه الثورة يعرف ذلك، تقبل ذلك، وتصالح معه. هناك فرق بين الموت والشهادة، فموت الشباب في السلم يستدعي الحزن ربما، لكن موتهم في الحرب ليس مدعاة لذلك، بل مدعاة فخر ودفعٍ معنوي من أجل الثورة، إنه احتفال، إنه كرنفال رائع، إنه حدث مذهل يعني أن الشاب بلغ المرحلة الأخيرة من سيرته الثورية، ولن يشهد مهانة الموت العادي، أي أن يموت عجوزاً أحمقاً على فراش دافئ.


لطالما كان حدث استشهاد الثائر بالنسبة لي (ولنا إن نسيتم) حدثًا احتفالياً، كان موته دافعاً سامياً لي لإكمال طريقه، ولم يكن أبداً يعني موت الثورة أو فناءها أو ضعفها، وهذا ما يجب أن تكون عليه على الحال. وكل من كان يرى باستشهاد الثائر موتاً للثورة كنت أشتمه في قلبي كل الشتائم وألعنه كل اللعنات.. إنه شخص فاتته الثورة في نظري.


ساروتاً ناقصا


يُنكِر البعض اليوم ميول الساروت الإسلامية كما لو أن ميوله هذه مهانة له، أغلب هؤلاء من حزب "العلمانيين" ممن يريدون الساروت ناقصاً، يريدونه "مدنياً" على تفصيلهم، هم يحبون أغانيه فقط كما لو أنه مجرد كلمات ولحن، بالنسبة لهم هو ظاهرة صوتية، يريدونه صورة ذهنية وفارسًا أسطوريًا. يبررون أخطاءه على أنه "بسيط"، "عامّي"، "جاهل"، كعادتهم في النظر للآخرين من الأعلى، من فوق. بينما يركبه—أو سيركبه—الإسلاميون ليقولوا "ها هو بطلنا وحبيب الشعب الشهيد أراد دولةً إسلامية ونبذ (و قد يقولون عادى) جماعة العلمانيين الذين يكرهون أمثاله قطعاً بعد أن خالطهم، فاتبعوه ولا تنسوا مواقفه هذه".. أما حزب "مشان الله حبوني" فسينعونه باستكثار وتزلف دون أن يعرفوا حتى كلمة واحدة من أغانيه أو سيرته أملاً في أن يحظوا بشيء من الماء الاجتماعي ورذاذ الإعجابات وفتات الشرعية الذي يحيط باستشهاده، ولربما أيضاً سيتحارشون بمن لم يشاركهم نفس مفرداتهم في اللطم والندب، مُظهرين مزاودات فارغة. وهكذا، على ركوب استشهاده فليتنافس المتنافسون.


لقد كان الساروت إسلامياً بدون مواربة، أي نداً فكرياً لأمثالي "العلمانيين"، ورغم أني أختلف معه وأعتقد أنه أخطأ ما أخطأ، لكنه كان رجلاً! لربما "الرجل" الإسلامي الأخير من بين ما تبقى من الإسلاميين الأحياء، فقد وقف مع فدوى سليمان "العلمانية" وغنى معها على نفس المنصة، ولم يغنوا لأنفسهم، بل غنوا لنا جميعاً. يحتاج الإسلامي أن يكون "رجلاً" حتى يتحمل الوقوف مع العلماني على نفس المنصة ويقود ثورة. كنت أنا "العلماني جداً"، مثل فدوى، مع الساروت حتى الموت في سبيل الثورة. هكذا كنا، كلنا نتساوى أمام الثورة ومن أجل الثورة.. كنا "حماصنة" بين بعضنا لربما، "شاطحين" كما اشتهرنا، نسمع الشتيمة ونتقبلها على سبيل السخرية، لكننا كنا ... نتقبلها! كانت "شيخ" أو "بتاع مشايخة" شتيمة ساخرة بقدر ما غدت "علماني" شتيمة ساخرة. إن الاختلاف الفكري ليس عيباً أو جريمةً، بل طبيعةً. ونقد أفكار الآخرين المختلفة هو أداة بناءة للثورة وإثراءٌ لها، بل حتى مظهر من مظاهر حقبتها الذهبية. هذه هي الثورة بالنسبة لي، "بتاعة العلمانية" و "بتاع المشايخ" واقفين على نفس المنصة، والكل يضحك معهم هاتفاً لاعنًا روح الطاغوت. اليوم، الساروت وفدوى لم يعودوا معنا في نفس الأثير الفيزيائي، إنهم يكملون الثورة في حياة أخرى. ونحن الأحياء بقي علينا أن نكمل الثورة في هذا العالم.


أسطرة الساروت


لا أريد للساروت أن يغدو منزهاً، وأن تروى الأساطير عن ترويه وعقلانيته.. لا! أريده كما هو، شبيهًا لنا، خطّاءاً، مندفعاً، غريزياً، شاباً، قابلاً للنقد، مثل ما كنا في حقبتنا الذهبية في حمص، أريده هذه المرة حتى النهاية.. حتى الساعة، بدون محبيه ممن يكبلونه بمحبتهم، أريده مع كل الشتائم والاهانات التي لحقته. سآخذه—كما كنت لآخذ نفسي—كاملاً، بكل انزياحاته الفكرية، بمسؤوليته عن قراراته، بكل أخطائه، بكل محاسنه، بكل أخلاقيته ولاأخلاقيته، بكل حقباته، بكل حمصيته وسوريته، إدلبيته وحمويته، دروشته وشطحاته وحنكته، وسخريته وجديته، "بتاع علمانيته" و "بتاع مشايخيته"، بدون تزلف، بدون تلطف، وبثورية تامة. لن أقول عنه "جاهلاً" أو "عامياً" أو "بسيطاً"، سأقول عنه ثائراً مسؤولاً عن نفسه (وهل هناك شرف أعلى من هذا؟). وأنتم يا "محبيه"! فمثلنوه واجتزئوه وجزوه وابتروا أطرافه على مقاسكم، واندبوا والطموا وحطموا مخزوننا المعنوي في الثورة كما تريدون.


بعد المئات من أغاني الساروت التي تحتفي بالشهادة والشهداء.. نعم، أثق أنكم لم تفهموا الساروت.. وأنا وحدي ربما فهمته وبقيت على شيء من نهجه، ومن بين كل مزواداتكم بحبه، هذه لربما مزاودتي عليكم... لقد فوتتم عليكم الثورة. إن كان استشهاده يعني لطمية ثورية، فأقتبس منه قوله "يا للعار" عليكم، وإن كان يعني حدثاً احتفالياً يقوي ثباتكم الثوري ومعنوياتكم واندفاعكم من أجل ثورتكم كما كان الساروت نفسه يحتفل بالشهداء، فأقتبس منه قوله " يلا قوم.. امشي بدربك".

224 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"