عفوًا، هل قلت «انفصاليين»؟

Updated: Mar 20

حول إعادة تعريف « أن تكون سوريًا»

لم يكن لقاء معظم الأرياف والبلدات السوريّة مع مفهوم «الدولة» الحديثة سابقًا لفترة بدايات الانتداب الفرنسي. من أدبيات المرحلة، ما وصفه الجنرال شارل ديغول، خلال زيارته مع طلائع الجيش الفرنسيّ لمنطقة «منقار البطّة» أقصى شمال شرق سوريا عام 1930 حين أبرق لقيادته في بيروت عن «المشاعر الجيّاشة» التي انتابته ساعة بلوغه نهر دجلة «هذه المنطقة التي لم تعرف نوعًا من الحُكم غير الأناركيّة».



لقاء السوريين مع «دولتهم» الحديثة وما تتطلبّه حداثة هذه الدولة من ضرائب، جنديّة إجباريّة، مناهج تعليميّة، توقير للرموز الوطنيّة، والتزام بمجموعة من القوانين والإجراءات في الإدارات العامة لم يكن لقاءً سارًا تمام السرور. وعدم السرور هذا انتقل تلقائيًا إلى ما يتعدّاه، أعني النظرة للكيان والوطن؛ إذ أن «الدولة الحديثة» لا تنفصل في زمننا عن «الهوية الوطنيّة»، وهذه الأخيرة إنما تحددها الأولى بشكل قطعيّ، لتعيد وتشكّل معها ثنائي «المواطنة» (الدولة) و«الوطنية» (الهوية). ولم تكن المواطنة أو الدولة يومًا، منذ نشوء الكيان الحديث، باستثناء ربّما فترات متقطعة لم تتعدَ الأشهر، ديموقراطيّة أو تمثيليّة حقًا؛ ولذلك فمحددات الهويّة، لم تكن بيد الشعب، بل بيدِ من احتكر الدولة، فاحتكر معها سلطة تحديد «معنى أن تكون سوريًا». في الانتداب و«العهد الوطني» عبر «العروبة» التي أرادها «نادي العائلات» المدينيّة، ثم منذ الخمسينيات عبر القوميّة العربية.


لم تكن مقاومة «ثقافات المحيط» أو «الأطراف» لمحاولات الفرض والتنميط التي قامت بها السلطة منذ أن نشأ الكيان الحديث، إلا أشكالاً مختلفة من المطالبة بالانفصال أو الحكم الذاتيّ عن الدولة السوريّة. يبدو ملائمًا هنا، سردها باختصار في مراحل ما قبل البعث: بدءًا من الجنوب، بعد أنّ وافق الفرنسيون على فصل نواحي الرمثا وضمّها لإمارة شرق الأردن عام1921 طالبت درعا بالمثل، لأسباب تتعلق بتشابه أنماط الحياة والتداخل العشائريّ مع الأردن، فضلاً عن الولاء للحكم الهاشميّ، وهو ما رفضّته سلطات الانتداب. إلا أنّ درعا بقيت بثقة من سَدَنة الحكم الهاشميّ في سوريا حتى أواخر خمسينيات القرن العشرين. وإلى الغرب، نحو القنيطرة، التي وُطنّت بها أغلبيّة شركسيّة، خرجت بيانات الأعيان المحليين تتحدث عن ضرورة الاعتراف بالشركس كأقليّة وطنيّة، وصيانة حقوقّها في إدارة مدارسها، ومناهجها، والتعامل بلغتها الخاصّة في مناطقها، بعيدًا عن الأكثريّة وما تفرضه ثقافتها من موجبات.


أما شرقًا نحو السويداء، فقد جرت مطالبات مماثلة لتلك الحاصلة في درعا حول الانضمام للأردن الهاشميّ، أو المحافظة على الاستقلال الإداريّ للمحافظة في الأحوال الشخصيّة، وفي المحاكم، وفي التجنيد الإجباريّ، وهو ما كان الأساس لقبول السويداء التنازل عن استقلالها الذي منحتها إيّاه السلطات الفرنسيّة والعودة كجزء من الجمهوريّة السوريّة. استمرّ تفاهم «عودة السويداء» هذا مرعيًا لعقود بعد ذلك كجزء غير مدوّن من الدستور (أو الدساتير؟) السوريّ، إلا أنّ ذلك لم يـَحُل مثلاً من أن تكون السويداء أول داعميّ مشروع الملك عبد الله الأوّل المعروف باسم «سوريا الكبرى» بأنّ يحكم عبد الله بن الحسين كلاً من سوريا والأردن كدولة واحدة، أو دولة بتاجين، من عمّان. وبينما كانت «الوفود تتقاطر من جبل العرب وحوران إلى عمّان تأييدًا لمشروع جلالته» كان مجلس النوّاب السوريّ يدين المشروع بوصفه مخالفة لميثاق جامعة الدول العربيّة. وكنت تقرأ في أواخر حكم الشيشكلي أنّ مظاهرات السويداء، والتي كانت أساس الإطاحة به، إنما هي «مخططات هاشميّة».


إلى الشرق، فإنّ دير الزور، والتي تشمل كلاً من محافظتي دير الزور الحالية والرّقة، فإنّ وفاة ملوك العراق فيصل وغازي، كانت مناسبات ملائمة للمطالبة بالانضمام للعراق. هنا أيضًا لا تلعب شعبيّة الهاشميين العامل الوحيد في مطالب المتظاهرين، والذي تأيّد بعرائض مختلفة للسلطات الانتدابيّة قبل ذلك وبعده، بل أيضًا، التداخل العشائريّ وأنماط الحياة المشتركة بين محافظة دير الزور والعراق كونها الامتداد الطبيعيّ لوادي الفرات، ناهيك عن البعد الجغرافي لدمشق والحواضر السوريّة مقارنة بقرب الموصل وبغداد. لا يُغفل طبعًا، أنّ العراق كان حينها أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، ومعايير الحياة فيه أعلى من تلك السائدة في سوريا الانتدابيّة بشكل ملحوظ، إلى جانب غيرها من «المــُغريات».


إلى الشمال، فالأوضاع في إقليم الجزيرة كانت أكثر تعقيدًا، بحُكم كون أغلب أراضي الإقطاع تعود لعائلات مقيمة في حلب أو دمشق، وإذّاك، لم تكن النظرة لحلب أو دمشق، ناتجةً فقط عن اختلاف في الثقافة أو اللغة أو الدين، بل أيضًا علاقة استغلال اقتصاديّ. ومراجعة الأدبيات الانتدابيّة حول الجزيرة تتحدث عن «الحكم في دمشق» بوصفه حكمًا غريبًا، أشبه بالاستعمار. الموظفون الإداريون من المحافظ وحتى أدنى موظفيّ الحكومة معظمهم من خارج المنطقة. ساهم انتشار الأميّة الكثيف بترسيخ هذا الخلل.


وفي مقابل موجبات متنوعة فرضتها «الدولة»، رفضت «الدولة» عينها تجنيس أكراد هُجرّوا من الجزيرة العُليا إلى الجزيرة السُفلى - أيّ أن الوحدة الإقليميّة للمنطقة لم يقام لها أي تقدير، في مقابل ما يشبه «التقديس» لحدود سكّة حديد برلين – بغداد المـُستحدثة بموجب اتفاقيات الفرنسيين والأتراك- وهو ما أنتج إلى اليوم مشكلة إنسانيّة وأخلاقيّة، قبل أن تكون وطنيّة تدعى مشكلة «أجانب الحسكة». وصل الأمر فيما خصّ سكّان الجزيرة، إلى رفض استقبال المحافظ الذي عيّنته الكتلة الوطنية سنة 1939، وإطلاق مظاهرات ومشاغبات تمّ خلالها حرق العلم السوريّ والتبوّل عليه.


نحو الشمّال، فإنّ حلب، رغم مشاركتها بالحُكم، وتنازلها الطوعي عن الاستقلال المالي الذي مُنح لها بموجب قرار إنشاء الدولة السورية عام 1925 بعد حلّ دولتي دمشق وحلب، فإنّ المناطقيّة أو إن شئت «الحساسيّة» أو «الخصوصيّة» الحلبيّة استمرت طويلاً بعد ذلك، وإن تراجعت «راديكاليتها» التي كانت ناشطة خصيصًا في أوساط المسيحيين. أما إلى الغرب، فهناك محافظة اللاذقيّة ذات الغالبية العلويّة، فيُشكّ بأنه في عشيّة الإعادة إلى سوريا عام 1936 وُجدت أغلبية علوية واضحة تؤيّد مشروع الإعادة هذا. في البيانات المرفوعة للسلطات الانتدابيّة، تحدّث مُرسلو العرائض عن مخاوفهم الخاصّة في حال العودة لسوريا «المختلفة دينًا وثقافة»، بأنّ الإعادة قد تؤدي لـ«حمام دم»؛ طرح المستبينون مشروع ضمّهم إلى لبنان في حال لم يكن الإبقاء على استقلالهم ممكنًا، دون أن يلقى طلبهم موافقة السلطات الانتدابيّة أو ترحيب لبنان. حتى السَلَميّة الصغيرة، طالبت في مرحلة مفاوضات الاستقلال الأوّلى عام 1936 بأنّ يتم الاعتراف بها كمحافظة ذات امتيازات تتعلق بأنظمة المحاكم، وإدارة المدارس، والتجنيد الإجباري، أسوة بالسائد في السويداء.


وأخيرًا، فالمناطق غير ذات الحساسيّة، دمشق، ومحيطها، حمص وحماة ، فرغم كونها القياس الذي قررت عليه «النخب» بناء الهوية والدولة السوريّة الحديثة، فسرعان ما تحوّلت مع الخمسينيات من «العروبة» للـ«القوميّة العربيّة»، ورعت وحدة البلاد مع نظام جمال عبد الناصر.

لماذا لم تُساءل يومًا الوحدة، وما تبعها من محاولات امتدت على مدى عقدين لإحيائها، عن مدى مشروعيتها الأخلاقيّة والوطنيّة؟ ولماذا غدا «الانفصال» لا يشير للرغبة في الانفصال عن سوريا، بل في الواقع، للانفكاك عن محاولات الوحدة العربيّة؟

كافة المحاولات الانفصاليّة أو الساعيّة «للتميّز» أعلاه قد فشلت، باستثناء النجاح المؤقت للجمهورية العربية المتحدة، والنجاح النسبي للسويداء. ذلك أنها لم تحظ بدول خارجيّة تدعمها وتضعها على سلّم أولوياتها. من الصعب أن تجد حركة انفصاليّة استطاعت، دون رعاية أو تبنٍ لمشروعها من قبل جهة خارجيّة، من النجاح في تحقيق مساعيها. الحركة الانفصاليّة الوحيدة التي نجحت في سوريا، كانت تلك التي في لواء اسكندرون ذو الأقليّة التركيّة، فرغم الاعتراف بالتركيّة كلغة رسميّة، ومنحه الامتياز الماليّ، استطاع اللواء الانفصال، بحكم تبنّي مشروعه من قبل تركيا، والتي قضمته بعد عام ونصف من انفصاله عام 1939، مقابل اتفاقية «عدم اعتداء» مع فرنسا عشية الحرب العالمية الثانية.

استعراض بعض صفحات المرحلة التأسيسيّة للدولة السوريّة أعلاه، لا يهدف لنكء الجراح أو إضعاف «الوطنيّة السوريّة». في كل ما سبق، إلى جانب من طالب بالانفصال أو الحكم الذاتي، كان هناك أيضًا من عَمِل ونافح ودافع عن جمهورية مركزيّة وعن «الحكم الوطني». فليس قياس مدى «الثقل الديموغرافي» لكل شريحة من المذكورين أعلاه هو المقصد، بقدر ما هو الإضاءة على «وجود» حساسيّات، حقيقيّة وعميقة، على أسس دينيّة، لغويّة، عشائريّة، مناطقيّة نشأت أساسًا حول الاستئثار بفهم ما يجب أن تكون عليه سوريا وطبعت تاريخها الحديث وأعاقت تقدّمها. ليس الهدف أيضًا تشنيع طبقة الحكم الوطني وداعميه على طريقة «رجعيين» و«عملاء»، فهم في نهاية المطاف صنعوا الهوية والدولة السوريّة الحديثة، وما قدّموه كان هو الوسط السائد في حقبة ما بين الحربين عن «الدولة - الأمّة»؛ وبالإطار نفسه فليس الهدف قط تبرئة السياسة الانتدابيّة التي تحدّث سوريون وغيرهم عن اعتمادها مبدأ «فرّق تسد»، على أنّ حصر المسؤولية بالسياسات الانتدابيّة، يبقى فعلاً قاصرًا على تفسير كامل المشهد وتداعياته في مرحلة ما بعد الانتداب.


يهدف هذا الاستعراض المختصر أعلاه، أولًا لاستبصار أن نغمة «الانفصال» ليست جديدة بالنسبة لسوريا والسوريين، وإن خمدت مع خمود الفضاء العام في حكم آل الأسد فقد عادت لتظهر حاليًا مع عودة الفضاء العام للبزوغ. وثانيًا، طالما أنّه لا يوجد دولة ذات ثقل تتبنى وتعطي أولوية حقيقيّة لمشاريع الانفصال هذه، فهي محكومة -غالبًا- بالفشل، وبالتالي فالقلق منها لا يأتي من حرفيّة نجاحها في تحقيق الانفصال، بقدر ما هو في الاضطرابات والقلاقل التي تثيرها وستثيرها داخليًا. وأما ثالثًا، فالواقع أنّ تجريم الانفصال غير عمليّ، بل يتوجب النظر إليه بوصفه نوعًا من الأسلحة الدفاعيّة ضد العُسف الذي قد يُستخدم ضد فئات بعينها، ومن ناحية أخرى، فإنّه طالما اعتبرنا أن التفريط بالكيانيّة لمصلحة الخلافة الإسلاميّة أو الوحدة العربيّة أو سواها من الدعوات الأمميّة هو جزء من «حرية التعبير»، فإنّه وقياسًا عليه، فالدعوة للانفصال هي بدورها جزء من حرية التعبير ذاتها، ويُحال منطقًا اعتبار الانفصال من غير طينة الدعوات الاندماجيّة المختلفة التي لها جمهورها في سوريا – شئنا أم أبينا.


الأهم هنا بالنسبة لواقعنا، هو التركيز أنّ تجاوز الحساسيات الانفصاليّة، لا يكون بمزيد من القمع أو بتجاهل المطالب أو بتكرار إدانة الانفصال والانفصاليين بما يشبه الوسواس القهري، بل إنّ الواقع، وقد انتهت شعبية الهاشميين، وانهار العراق، واضمحّلت القوميّة العربية، وقلّصت التكنولوجيا الحديثة من أعباء التواصل والاتصال، وطُحنت البلاد في أسوء كوارثها منذ الاجتياح المغولي، بأنّ الفرصة سانحة لتجاوز هذه الحساسيات كافة عبر إعادة تأطير الوطنيّة السوريّة، بإطار كلّ الثقافات المحليّة التي تشكّلها.


إنّ التذرع بالأكثرية في قضايا الإدارة حق، أما التذرّع بالأكثرية في قضايا الثقافة فـعقوق، لن يودي إلا لتغذية واستمرار الحساسيّات الانفصالية، وربما حتى ازديادها أو إحياء بعض ما مات منها. وأخيرًا فإنّ إعادة التأطير هذه لا يُمكن أن تتمّ دون فيدراليّة، وحكومة مركزيّة «دستوريّة» لا اتجاه المواطنين فحسب بل أيضًا اتجاه المحافظات والمناطق. يحتاج ذلك بالتأكيد للتضحيّة من قبل الجميع، لكنّها ستساعدهم حتمًا في إنهاء أكثر تجارب المئة العام الأولى من عُمر الكيان السوريّ مرارةً، واستئصال الجذر التكعيبي، الجد الأعلى، لكلّ ما مرّ به من مصائب وتناقضات.




المراجع :


- Fischbach, Michael. R (2000), State, Society & Land in Jordan, Brill, Liden, Boston, Koln ISBIN no. 9004119124.

- Harran, Ahmad Mohamad (1969), Turkish-Syrian Relations in the Ottoman Constitutional Period (1908 – 1914), ProQuest, London, the UK, ProQuest Number: 10731673.

- Kakish, Daniel Monif (2013), The Invention of Transjordanian-Syrian Borders 1915-1932, San Diego State University, no further documentation details are provided.

- Pipes, Daniel (1990), Greater Syria: A History of An Ambition, Oxford University Press, ISBN 0-19-506021-0, ISBN 0-19-506022-9 (pbk).

- Torrey, Gordon (1964), Syrian Politics & The Military 1945 – 1958, Ohio State University Press, Library of Congress Card Number: 64-63089.

- White, Benjamin Thomas (2011), The Emergence of Minorities in The Middle East: The Politics of Community in French Mandate Syria, Edinburgh University Press, ISBN 978 0 7486 4187 1.

- عبيدات، ميسون (2009)، موقف الأقطار السوريّة من مشروع سوريا الكبرى (1920 – 1951)، المنارة، المجلّد 15، العدد 01، ص.9-49.


204 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"