عن البداية ودائماً لسا موجود



في العامين الأخيرين جربنا كسوريين وسوريات أن ننظر للعالم من مكان آخر، أن لا نكون مشاهَدين من الآخرين وحسب، بل أن نشارك بالمشاهدة وفي كتابة المشهد وروايته. بينما واجه العالم ونحن جميعنا خطر الكورونا وهو يتمدد في بلادنا ومدننا وبين أهلنا وناسنا. حينها لم نكن -كسوريين- وحدنا المقصودين بالأذى كما ظننا في السنوات العشر الأخيرة.

سنتحدث اليوم بشكل مختصر عنا -نحن فريق لسا موجود- ما بين النكبتين وعن هدوئنا الأخير.


بدأت لسا موجود كمجموعة تطوعية -غير ممولة- في نهايات عام 2018 في ذلك الوقت كنا مجموعة من الأصدقاء نفكر بالتحدث عن سوريا وقضيتنا بشكل غير مسبوق، ويحمل بعض الجدوى التي فقدناها بتعاقب السنوات واختلاف ظروف الحياة. بالذات بعد أن كانت كل الخطابات المتحدثة عن الثورة تزيدنا انهزاماً وتفرقة وإحباطاً، وأبعدت الكثيرين منا عن صنع القرار سواء على الأرض، أو حتى في مواقع التواصل.

ولأننا كنا نجرب الوجود رغم كل ما تعصف به الحياة بنا، كنا شباباً وشابات نحاول خلق التوازن بين أعمالنا الصغيرة وجامعاتنا وبين عملنا ضمن هذا الفريق. مرت هذه المجموعة اليافعة بآلاف التقلبات، خرج منها الكثير من الأصدقاء، تعب فيها كثيرون، يأس وكفر وحزن ورحل عنها من رحل. كانت نافذة لمن أراد المتابعة والحديث عوضاً عن العمل، وكانت باباً لمن لم يتوقف عن التقدم والعطاء أبداً. إلا أنها رغم كل العابرين بقيت هي، مثل المشكاة التي تنير طريقنا لأجل السبب نفسه الذي بدأت به، أن نكون موجودين، نرسم الحلم ونؤمن به معاً.

هذا الفريق تشكل منذ ثلاث سنوات وأربع شهور على برنامج السكايب، بعد جلسات مطولة فكرنا بالاسم الذي نريد أن نبدأ به ونكون عليه في هذا العالم دون أن يكون مبتذلاً. اقترح أحد الأصدقاء في ذلك الوقت أن ما نفعله اليوم هو تأكيد لوجودنا، لذلك يجب أن نسمينا "لسا موجود". كان الاسم يعبر حقاً عما نريد أن نكون عليه، وما نعلم تماماً أنه يعبر عن آلاف الشباب والشابات السوريين المنفيين اليوم عن شارع المظاهرة الذي عرفهم. الجيل الذي اختبر صوته في المرة الأولى عندما قرر أن يشارك بصنع القرار والتغيير في بداية الثورة، الذي آمن أنه يملك حقه وكرامته ومصيره، ثم اضطر لاختبار صوته خارج مساحاته الآمنة، في الغربة وبلاد المهجر. تأكيد وجودنا اليوم وكل يوم في هذا العالم، تأكيد هذه القضية وهذه السردية بصوتنا نحن الذين عشنا على مقربة من الحدث دائماً.


ما نفعله اليوم هو تأكيد لوجودنا، لذلك يجب أن نسمينا "لسا موجود".





لطالما كانت "لسا موجود" بيتاً لكل المهجرات والمهجّرين الذين فقدوا بيوتهم، ولكل الذين بدأوا حياة جديدة بعيداً عن مدنهم وأهلهم. كانت هذه المجموعة مكاناً آمناً حتى نناقش أفكارنا ومفاهيمنا، كي نفكر بالمستقبل ونتحدث عن الماضي، منحتنا هذه المجموعة ما سعينا دائماً لامتلاكه/ صوتنا الحر وكلمتنا. بالطبع لا يعني هذا أننا كنا دائماً على وفاق في كل ما نتحدث به، بل على العكس كنا نختلف كثيراً، واجتماعاتنا كانت تطول وتعلو أصواتنا، ثم نكمل النقاش مكتوباً في النهاية. إلا أنه كما تقول صديقتنا أيضاً أن أجمل ما في هذه المجموعة هي الأقطاب، لدينا قطب في الشرق وقطب في الغرب ونحن ما بينهما. هذا هو أصل التناغم بيننا، وأصل الانسجام كان أننا مختلفون لكننا متفقون.

مررنا بحقب كثيرة، نحب تسمية كل فترة باسم أحدنا، هذه الفترة "س" كانت مليئة بنشاطه وهمته وعمله، هذه الفترة "ع" بكل حزن تركنا حينها للسبب إياه؛ وهكذا…

يحمل هذا المكان ذاكرة العشرات من الشابات والشباب الذين كانوا جزءاً منه يوماً ما، كما يحمل أولئك العشرات منا ذاكرة حميمية مع كل ما يتعلق بهذه المجموعة وما عملنا سوياً على أن يخرج منها. كل شخص منا اختبر نفسه بشيء جديد في هذا المكان، كل أحد فينا حاول أن يصنع شيئاً أو أن يتعلم شيئاً أو حتى أن يكتشف شيئاً بنفسه، وفعل. لقد أخذ هذا المكان من أرواحنا وأوقاتنا وفكرنا بقدر ما أعطانا.


كانت "لسا موجود" بيتاً لكل المهجرات والمهجّرين الذين فقدوا بيوتهم.

كان عملنا مبادرات ذاتية، لم نكن قد تدربنا مسبقاً كيف نعمل، لذلك كنا نجرب ونتعلم بأنفسنا، لم نتعلم كيف نحمي أنفسنا من الاستهلاك بينما كنا نواجه في الوقت نفسه مشكلة الوقت وضرورة المال، كوننا أفراد متفرقون يحاولون كسب قوت يومهم وحيدين في بلاد متفرقة. كنا نصرف عشرات الساعات ونحن نقوم بعمل ما حتى يكون بأفضل شكل ممكن. كنا نترقب ردود فعل الناس فقط لنعرف هل كان الأمر كافياً؟ هل عملنا باسم ما نؤمن به ولأجله كما يجب؟

عشنا جميعاً مع كل عمل قبل نشره مشاعر إحباط، خوف، انكسار، رغبة بالتوقف وعدم الاستمرار. إلا أننا بقينا موجودين رغم كل شيء.

رسمنا، كتبنا، صممنا، بحثنا، تجادلنا، وغنينا.


اليوم أكتب هذا النص وقد كنتُ شاهدة على كل المحطات التي مر بها الفريق، مراراً تغير توازنه ومراراً أصابنا الإحباط واليأس وانعدام الجدوى -ربما- وكثيراً ما تغير أفراده. إلا أنه بعد كل وقوع كان يتماسك ويقف بشيء أو شخص جديد. كانت لنا دائماً تلك اليد الخفية التي تشدنا لننهض.. وكان العامل المشترك بين كل الأجيال والمجموعات التي مرّ بها، إيمانهم بهذا الوجود الذي بدأنا لأجله ولا زلنا مستمرين في محاولة لتأكيده والدفاع عنه كما بدأناه سابقاً، لكن بروح جديدة. بروح فكرت مؤخراً أن تأخذ مسافتها من كل ما يحدث لتحسن وترفع نفسها.

وضمن كل هذه المحطات تبقى لحظة "خلية النحل" التي يجتمع فيها كل الفريق لإنجاز عمل ما، هي اللحظة الفاصلة أمام كل إحباط أو تردد نشعر به. في أي حملة مستعجلة أو عند نشر شيء ما، يترقب الجميع وينقسم الفريق كل في مهمته، لينجَز العمل بأفضل شكل ممكن. أنا ممتنة لكل هذه اللحظات التي شكلتنا وجمعتنا وساعدتنا.





عن الإجازة:


لقد كانت السنة الأخيرة هي الأصعب علينا كفريق، بعد فترة قاسية من الاهتزاز الداخلي والنزاعات، رافقها جائحة الكورونا، بكل مضاعفاتها الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية، تلاها خروج أفراد وانشغال آخرين، كان التحدي في هذه السنة مضاعفاً. أما على صعيد العمل فقد قمنا بتحدٍ مشابه، فكانت هذه السنة رغم صعوبتها هي الأفضل بالنسبة لنا كفريق نجح بالتحدي على الرغم من كل الجهد والتعب الذي مر به.


  • بدأنا بحملَتي #ها_خوتي التي ختمناها في كانون الأول / ديسمبر من عام 2020 و #لاجئ التي افتتحنا بها عام 2021.

  • غطينا ذكرى الثورة ضمن سلسلة فيديوهات، مع بودكاست قصير ومجموعة أغاني من الثورة.

  • أصدرنا أغنية باسمنا، وروزنامة مطبوعة كما اعتدنا.

  • قمنا بإنتاج بودكاست إمساكية في شهر رمضان.

  • وقد قمنا هذا العام بحملة عن اقتحام درعا، غطينا بها تلك الفترة في نيسان/ إبريل 2011 بالكامل.

  • وحملة #انتخابات_ولكن والتي تحدثنا فيها عن مراحل استلام الأسد الابن للسلطة وحتى آخر انتخابات له في آيار/مايو 2021.

  • وغطينا ضمن سلسلة على مدار شهري تموز/ يوليو وآب/ أغسطس 2011 ما حدث من مظاهرات ضخمة واقتحامات لقوات النظام في مناطق سورية متفرقة.

  • إضافة إلى آخر ما عملنا عليه، إخراج فيلم قصير عن مجزرة الكيماوي "الشهيق الأخير".



شكلت هذه الأشياء مجتمعة تحديات جمة لنا لأننا على الرغم من ضيق الوقت وقلة الإمكانيات تمكنّا من إنتاج شيء غير مسبوق لنا. بعد هذا الاستنزاف الوقتي والمكاني وبعد التعب الذي شق طريقه في أفئدتنا قمنا بأخذ استراحة -كاستراحة المحاربين- تم التوافق عليها بالأغلبية من الفريق حتى نعود للتعلم والتمكن وجمع الطاقة. كانت هذه الإجازة هي الأشهر الخمسة الأخيرة، والتي حاولنا خلالها ضمن الفريق أن نجمع شتات أنفسنا نفسياً وحياتياً.

لم نعمل في هذا الفريق ولا لمرة واحدة لنمنح الوعود للآخرين، أو نقول أننا سنحقق أعظم ما يمكن لنا تحقيقه. لقد كنا هنا كما دائماً نعد أنفسنا بأن نصنع قيمة وجدوى لما نؤمن به، حتى لو منحناه من أرواحنا وقلوبنا.

ستعود لسا موجود معنا، بمحاولة جديدة لنتحدث عن وجودنا بشكل فريد، سنعود ونحن محاطون بدعمكم ومحبتكم وتشجيعكم بعد انتظارنا.




153 views2 comments

Recent Posts

See All