• sameralnajjar16

درس اللغة: حكاية من بيروت

Updated: 9 hours ago

شمس بيروت اليوم لا تحتمل مما يجعل من إنجاز العمل في الخارج أمراً غير ممتعٍ على الإطلاق. بالنسبة إليّ لا يمكن له أن يكون ممتعاً بأيّ حال. سنعمل اليوم في مكانٍ لطالما كان حلماً بالنسبة لي. الجامعة! لكن، مجرّد وجودي هناك لا يعني أن حلمي قد تحقق٬ فأنا لست هنا كطالبٍ كما كنت أحلم. بل كعاملٍ لصالح ورشة مفروشاتٍ.

مهامي واضحةٌ جداً ومحددة٬ على صعوبتها. عليّ أن أقوم بنقل لوائح الخزائن الخشبيّة المكدّسة هنا إلى داخل مخابر كليّة الكيمياء ثم مساعدة العمّال في بناءها وتركيبها.

عمري الآن ثمانية عشر عامًا. عندما غادرتُ سوريا مجبراً كنت قد اجتزتُ لتوّي الصف الحادي عشر. أي أنّني لم أكمل دراستي الثانوية بسبب الظروف الأمنيّة. لم تستثنِ الحرب المدارس أو التلاميذ بالطبع فقد أحالت مدرستي إلى حطام. "هل سأستطيع الذهاب اليوم إلى دورة اللغة الإنكليزية التي أزورها مرتين أسبوعيّاً بعد العمل منذ بضعة أسابيع؟" أتساءل بيني وبين نفسي وأحاول تكهن الإجابة من سير عقارب الساعة مع سير العمل.



تكلمتُ مع ربّ العمل وطلبت زيارة كورس اللغة المجانيّ المموّل من قبل المفوضيّة العليا لشؤون اللاجئين٬ واستأذنت الانصراف قبل ساعةٍ من نهاية الدوام لمرتين أسبوعياً. علي أصل إلى المنزل ثم انطلق إلى معهد اللغة وأكون هناك في الوقت المحدّد. عقارب الساعة تخبرني أن الأمر سيكون صعباً اليوم إن لم ننهِ العمل باكراً٬ مازال علينا أن نمر على المعمل بعد الانتهاء من العمل.

إلى جانب القراءة، أعتبر أن دروس اللغة هي الشيء الوحيد في حياتي الذي أقوم به بملء إرادتي وبسرور. يمكن أن أعرف ذلك من مصروفي الذي يذهب ثلثه في شراء الكتب ووثلثه الآخر في تكاليف المواصلات إلى هذه الدروس. أما هذا العمل فلا أطيقه لكنني مجبرٌ على مزاولته٬ ماذا عساي أن أفعل بعد أن فشلت كل محاولاتي في إيجاد مقعدٍ دراسي؟ لقد سبق لي أن انزويت في المنزل حزيناً لانهيار حلمي ولما آل إليه حالي. لكني سرعان ما أدركت أن أسلوبي هذا لايزيد دماري إلّا كارثية. عائلتي لا تحتاج مساعدتي٬ رغم وضعها المأساوي. على أيّة حال٬ راتبي لا يكاد يكفي ثمن كتابٍ وبعض السجائر. إلّا أنّ هذا العمل هو بشكلٍّ أو بآخر نجاتي الخاصة من الغرق في وحل اليأس القاتل.


أحبُ بيروت. هنا يعيش المرء الحياة بكل تناقضاتها، كل يوم. هنا يعيش الطيّب والشرير، الغنيّ والفقير، السلام والحرب، والنظام والفوضى. علاقتي بهذه المدينة تحمل خصوصيةً وذكريات كثيرة. فوالدي عَمل في بيروت لسنواتٍ قبل الحرب. عام ٢٠٠٢ زرت بيروت مع عائلتي. بعدها بأربعة أعوام كنا قد عزمنا السفر لزيارتها مجددًا لكن حرباً اندلعت قبل موعد سفرنا بساعات، وانقطع الاتصال حينها مع والدي لعدة أيام. لطالما أصابتنا شظايا الحروب والأزمات التي عصفت مراراً بلبنان. ولطالما شكّل لبنان لكثيرٍ منّا نافذة نحو العالم الخارجيّ وملجأّ لرجال الأعمال والمثقفين٬ للعشّاق والحالمين٬ والثائرين! لكن معظم السوريّين هنا عمّالٌ بسطاء، تنحدر غالبيتهم من القرى والمناطق المهملة والمهمشة، كثيرون رمى بهم الفقر إلى هنا. يدفع هؤلاء البسطاء للأسف ثمن التجاذبات والازمات السياسيّة التي تعصف بلبنان بين الفينة والأخرى٬ حيث تلعب السياسة السوريّة، التي لا تزيد هذا البلد إلا انقساماً، دوراً كبيراً.


واليوم٬ تحوّل لبنان بالنسبة للفارّين من الحرب إلى ملجأ قريبٍ ومألوف. فالبلد الصغير هذا، رغم كل الأزمات الداخليّة التي تعصف به استقبل مئات الآلاف من اللاجئين. كثيرٌ منهم يعيش في المدن الكبرى ولديه عمله الخاص.

هنا يشتمّ المرء حتى اليوم رائحة الحرب الأهليّة، رغم انتهاءها رسميّاً قبل أكثر من عشرين عاماً، إلّا أنّها لم تنته فعلاً٬ بل تحولت إلى حربٍ باردةٍ مصغّرة. مجتمعٌ منقسمٌ على نفسه. خوفٌ وتوجّسٌ. سلمٌ أهليٌّ هزيلٌ ومهدّد وغيابٌ تامٌ لهويّةٍ وطنيّةٍ جامعة. وأنا بالطبع – كلاجئٍ هنا – لا أشعر بالأمان على الإطلاق. وفي هذا لا أختلف عن كثيرٍ من سكان البلد الأصليّين. التوتر والقلق يسيطران على حياتي في كل نفسٍ وخطوة٬ حالي كحالهم مع فرق الدرجة٬ يلازمني شعورٌ في كلّ لحظةٍ أن شيئاً ما على وشك الحدوث٬ أو الانفجار.


أراقب عقارب الساعة. إذا سرّعنا من وتيرة العمل أكثر قليلًا فقد أستطيع اللحاق بدرس اللغة. وإن تأخرت قليلًا فلا بد أن معلمي سينتظر قدومي٬اعتدنا أنا والمعلم أن نشرب القهوة سويّة قبل بداية الدرس على الشرفة، بينما نتناقش في أمورٍ سياسيّةٍ واجتماعيّة٬ وفيزيائيّةٍ وفلسفيّةٍ أحياناً٬ وندخّن. يناديني دوماً بصديقي رغم أنّه يكبرني بأكثر من عشرين عاماً. إنّه رجلٌ مثقف، بلحيّةٍ طويلةٍ بيضاء. لقد تحوّل رويداً رويداً إلى مثلٍ أعلى بالنسبة إلي وبفضلهِ بدأ شغف القراءة لدي يكبرُ. لقد أهداني كتاب "المبادئ الأوليّة في الفلسفة السياسيّة" لجورج بوليتزر٬ الأمر الذي أسعدني جداً٬ ليس فقط لكون هذا الكتاب هو الهديّة الأولى التي أتلقاها منذ زمنٍ طويلٍ وإنما لأنّه كان مدخلي إلى القراءة بشكلٍ عام وإلى السياسة على وجه الخصوص. لطالما أشاد هذا المدرّس باجتهادي وذكائي٬ على عكس ما يقوله لي كثيرٌ من زملائي في العمل. يقول لي دائماً بأنّني سأصل إلى هدفي وأن عليّ مواصلة السعي إليه بكل ما استطعت بغض النظر عن الظروف٬ فأنا لا زلتُ شابًا. كم ينعش بكلماته آمالي المنطفئة.


أثناء عملنا في النقل والتعتيل نصادف عادة طلابًا من الجامعة، أحيانًا أتوقف وأنظر إليهم بلطفٍ، لكنهم كثيرًا ما يبادلونني النظرات بشيءٍ من التعالي٬ لكن لماذا؟ أتساءل. ربما لأن ثيابي ليست مرتبةً ونظيفةً كملابسهم؟

لم أكن حسوداً يوماً ولم أنظر إلى هؤلاء الطلاب بنظرة كرهٍ أو استياء. لكنّني أسأل نفسي٬ لماذا كان على القدر أن يصيبني أنا بالذات؟ حسناً٬ لقد أصاب الملايين غيري٬ وليست أحلامي المحطمة سوى قطرةٌ في محيط خيبات السوريّين المتتالية. لكن لماذا نحن؟ اعتدت إيجاد تبريرات لأجعل الواقع أخفّ وطأة٬ أردد في نفسي "الموت مع الجماعة هيّن". "وضعك أحسن من غيرك".


إنها الظهيرة. الشمس تتوسط السماء وحرّها لم يعد يطاق٬ لكن لحسن الحظ فإن المخابر في الداخل باردةٌ ومعزولة. سمعت نداء أحد العمال: "إجا الغدا". لكنّني لا أريد تناول الطعام الآن. أريد أن ننتهي بسرعة، أريد مواصلة العمل وإنهاءه.

أخبرت العمّال بأنّني سأتابع العمل وأرتب لهم ماعليهم أن يفعلوه بعد تناول الغداء مباشرةً٬ فتحوا أكياس الطعام وبدؤوا يلتهمونه وهم يضحكون على سذاجتي.

أعتقد أنّني أستحق الآن استراحةً قصيرةً للتدخين والقهوة. انسلت يدي إلى داخل جاكيتي وتناولت سيجارة. أشعلتها وأنا أراقب الطلاب يتنقّلون بين الأبنية والكلّيّات هنا وأقول في نفسي: "من يدري٬ قد تستطيع عمّا قريب العودة إلى سوريّة وإتمام المرحلة الثانويّة والالتحاق فيما بعد بالجامعة ودراسة العلوم السياسيّة كما تحلم" لكنّ حفنة الأمل هذه ستذروها رياح الأخبار القادمة من خلف الحدود. لا أحد يرى ضوءًا في نهاية هذا النفق اللامنتهي على ما يبدو. ونحن٬ أبناء الشتات٬ من تقطعت بنا السبلُ إلى وطنٍ يأوينا٬ نكافح أمواج الكره التي تتقاذف سفينتنا٬ نوجّه أشرعتنا صوب الحياة كلّما هاجمنا الموت من جهةٍ. نقتاتُ الأحلام خبزاً يبقينا على قيد الأمل لئلّا تقتلنا الخيبة أو تفنينا مرارة الانكسار٬ نقاوم واقعاً لا يريد احتواءنا٬ ونعيش على كوكبٍ واسعٍ لكنه ضاق بنا.


بعد أربع ساعاتٍ أنهينا العمل. عليّ الآن أن أجمع معدات العمل وألّا أنسى أي قطعةٍ هنا أو هناك. أحاول إنجاز المهمة بسرعة وبإتقان تفادياً للمشكلات التي قد تلحق بي. توجهنا إلى المعمل وأنا أنظرُ بقلقٍ كلّ خمس دقائق إلى ساعتي٬ الازدحام المروري في بيروت هو الحالة الطبيعيّة. أخيراً وصلنا٬ ينبغي أن أخبر الآن ربّ العمل برغبتي في الانصراف. أخبرته بذلك بينما يبتسم٬ رد بلطف ووافق على طلبي.

في طريقي إلى الخارج أوقفني أحد العمال وسألني عن وجهتي وسبب انصرافي، أجبته فكان ردّه : "هلق السوريّين صار بدّن يتعلّموا إنكليزي؟" تركته ومضيت وعيوني معلقة بعقرب الدقائق في ساعتي. بدأت أحثّ بالتدريج من خطواتي باتجاه المنزل لتبديل ملابسي. عندها رنّ هاتفي برسالةٍ نصيّة: "الدرس ملغى اليوم".


واليوم٬ بعد سبع سنوات٬ أنظر إلى نفسي من ثقب الذاكرة٬ عبر نافذة جامعتي في دوسلدورف الألمانيّة، كلية العلوم السياسية٬أفكّر ببيروت وبشمسها الحارقة٬ بحبي لتلك المدينة، أفكّر في نفسي وفي العالم٬ في خيبات شعبٍ من المقهورين. بمئة هزيمة٬ وبآلاف الدروس الملغيّة.

145 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"