كورونا السوريّة

الكاتبة: رزان أحمد


أنقر بأصابعي بشكل متكرر على طاولة غرفتي النحاسية نقرات متناغمة تنم عن أفكارٍ متضاربة تدور في عقلي عما يحدث من كوارث عالمية، والتي ربما تشير إلى نهاية العالم أو اقتراب القيامة. اتنبهُ إلى الضحك الذي يتردد بين أصدقائي معلناً بهجة من نوع نادر. أضحك لضحكهم الذي يغني عن آلاف الأحاديث وأدخل بين أصواتهم المشتاقة إلى المساحة، وإلى التنفس. ففي هذا الوقت الذي انتشر فيه فايروس كورونا باحثًا عن ضحاياه بين مسنٍ وطفلٍ وبعض الشباب، حوصرنا نحن السوريون بشكل خاص بتجاربنا السابقة من موت وجوع ومرض ومن ملازمة الجدران الأربعة دهراً أو دهوراً، ولم يبق لنا متنفس سوى بعضنا البعض.


عندما انتشر الفايروس كان الوضع بالنسبة إلينا كمشاهدة مسرحية تراجيدية مألوفة المشاهد، بذات المقدمة مع تفاصيل مختلفة، لذا كان من السهل علينا توقع الدراما القادمة والهلع منها مسبقاً. ليس من الإنصاف في شيءٍ مطالبة معتقل سابق في سجون الأسد أن لا يستذكر زنزانته وظلمتها خلال فترة الحجر الصحي. ولن يكون سهلاً على من عاش مجاعة ما ألا يحاول تفادي الجوع عن طريق شراء كميات كبيرة، أو كما يسميها البعض مبالغ فيها، من الغذاء والدواء؛ كما أنه لن يكون منطقياً أبدًا أن لا يجزع السوري هذا من موت قادم كان قد فر منه قبل حين.


ماهي القصة، لماذا يطارد السوري بهذا الاصرار من قبل جميع الكوارث؟ ولماذا صارت كل مناسبات الهلع والحزن في العالم محطات تذكرنا بخوفنا السابق وتعيد رمينا في أحضان حزننا القديم؟


ربما لا يجدر بنا قول هذا، ولكن من حسن حظنا هذه المرة أن الفايروس يطارد الجميع ولا يفرق بين البشر. نعم، نحن مخذولون ونشعر بالدونية إلى هذه الدرجة!


يوقظ الفايروس الجديد كورونا مساحات جديدة للخوف من الفناء في نفوس لم تعهدها قبلاً. صور الرفوف الفارغة من المؤونة في السوبر ماركت سببت بعض الجدل، أو الدهشة والاستهجان لطبقة من الناس تلبس المثالية رداءً! فهل للدهشة مبرر؟ إن عرض "فلاش باك" قصير وموجز لأحداث السنوات الأخيرة سيكون كافيًا لجعل أي شخص يهلع ويحاول أخذ الحيطة لئلا يعيش الفناء من جديد أو حتى للمرة الأولى.


استناداً لمشاهد سابقة من الأزمة السورية حيث كان نفاذ المؤن منتشراً والحاجة منتشرة أكثر، مثل المجاعة التي كانت تهدد محافظة اللاذقية في عام 2012 حيث كانت قد انتشرت بعض الأمراض المعدية وازدادت الحاجة للدواء والملبس والغذاء وكانت الليالي تنتهي بالنوم مرضى جياعاً. أو حتى الحصار، فيحضرني الآن عندما حوصر ربع مليون سوري في دير الزور وكانت نداءات الاستغاثة هي آخر محاولات التمسّك بحبال الأمل المهترئة وقتها. فإن وضعنا هذه الأمثلة في عين الاعتبار فسنجد أن حمى الشراء الآن ليست مشهداً مثيراً للدهشة.


ومروراً بالدوامات التي نعيشها الآن بين الجدران، بسبب حظر التجول والتدابير الوقائية المفروضة، لا يمرً الوقت سهلاً على الإطلاق: فللبعض منّا هذه الجدران تعيدُ الوحدة والرجفة الأولى في سوريا. الرجفة الأولى، هذا ما راودني كوسمٍ لأيام القصف والحصار والرعب. كان الناس عالقين هناك بين جدران منازلهم محتمين من القصف الشديد خارجًا، مستمدين الحماية من الأحجار التي ربما يدفنون تحتها أيضًا. وآخرون كثر باتوا سنينًا من أعمارهم مرميين بين جدران المعتقلات خلف زنازن القهر والتعذيب مع أكوام بشرية أخرى والتي تجعلني أفكر الآن، هل كانت الجدران مرئيةً أصلاً هناك وسط اكتظاظ الزنزانة بمئات الأجساد؟ أو حتى العالقون بين جدران المنفردات هاربين إليها من صرخات التعذيب ومعاناة سلب الحرية وكوابيس الألم الصارخة فيهم، لا تناموا!

ثمّ هناك القسم الاخر من السوريين، والذين لا يعتقدون بأنهم سيعيشون أسوأ مما قد عاشوه قبلاً: اولئك الذين تنفسوا الفقد شهيقاً لا زفير بعده. الذين اعتادوا الخوف شعورا يسكنهم وتوقعوا الموت زائراً في أي لحظة، ليس لأنهم لم يعودوا يهتمون بحياتهم العزيزة، وإنما لأنهم روأ بأم أعينهم موتاً لم يمنعه عنهم خبز أو مؤونة!


دعت كبرى الدول وأصغرها إلى التكافل الاجتماعي في ظل هذه الأزمة. لا أظن أنه من العدل بناء توقعات علينا، على البشر، والمقارنة بيننا. فنسبة القلق والخوف تختلف من شخص لآخر، وقدرتنا على التكافل والتفكير بالآخرين تحتاج للكثير من العوامل والظروف التي قد لا تتوافر للجميع. حتى في سوريا وأزمتها، بينما كنا نسمع الكثير من القصص المؤثرة عن التكافل، والتي لا أظن بأنها أمرٌ مألوفٌ وقت الأزمات، كانت هناك أيضًا قصصًا تناقضها تماماً: قصص السرقات بين الجيران، أو احتيال بعض التجار والباعة، أو استغلال الأقارب لرابطة القربى وامتصاص دم بعضهم البعض ورزقه، أو حتى زواج الكثيرات المبني على شروط ظنّ أهلوهم بأنها الأفضل والأهم من رغبة الفتاة نفسها.


وحتى إن تجاوزنا التكافل بيننا ونظرنا إلى إطار عام أكثر، كتخاذل الدول والأمم مع الأزمة السورية اللامنتهية إلى الآن، فهل تريد الدول التكافل في ظل كورونا حين اكتفت هي بالتدخل البارد أو اللامبالاة في مآسي أخرى، لعلّ أبرزها الثورة والحرب في سوريا؟ صدق من قال بأن الأزمات تعرّي الدول والشعوب من أقنعتها وتظهرها بفكرها ووعيها الحقيقي المستند غالبا لمصالحها، مصالحها فقط! فبعض الدول تنظر إلى شعوبها وكأنهم وسيلة لجني المال لا أكثر، مدعين حرصهم على روح الفرد وسلامته.


هل نحن الملام الأول والأخير حقاً؟

هل سنلوم أنفسنا على كل فعلٍ ومفعول، بينما نحن نفرح لحدوث كارثةٍ لا صلة لها بنا وكأننا كنا بحاجة فعلاً للتأكد بأننا لسنا ماكينة المصائب لهذا العالم!


هل يجب أن تكون الحقيقة واحدا من الاثنين؟! أليس من الطبيعي لأي فرد اتباع أحاسيسه المختلفة دون أن يحكم عليه أحد أو أن يتم تصنيفه دون أن يملك الخيار بهذا! وهل رغبته بالحياة أكثر دافع غير مفهوم؟


فمهما كانت قد أرهقتنا الحياة وقتلت الشغف فينا، تبقى أرواحنا هي الأثمن ورغبة النجاة هي الأسمى وأولويتنا كبشر، بينما تحيط بحيواتنا فوضى عارمة من المخاوف والذكريات.


أخرج من هذه السراديب الفكرية مستمدة القوة من وجوه رفاقي وأصواتهم التي ألفها قلبي. أنصت لهم وأنا أوصي روحي بأن تخبئ كل شعور جميل صنعوه رغم المسافات الفاصلة ورغم الكآبة التي نشرها الوباء الجديد، للعودة إليه في لحظات اليأس الشاحبة.

170 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"