• sameralnajjar16

كانت الليلة الأولى


ما الذي قد يبدّد ظلام هذه الليلة الموحشة؟ طال انتظار الشروق، كانون القاسي، صقيعك يجمّد الدم في شراييني المتصلّبة أصلاً. ولكن لماذا؟ لماذا تراني أمسح الدمعة بأخرى؟ ولماذا تراني أعالج جراحي السابقة بأخرى أعمق منها؟ عشرون عاماً وأنا أداوي اليأس بذكرى الخيبة، أو الخيبات. احتضارٌ دام عشرين ربيعاً. صندوق أحزاني هذا يسرد قصتي الكاملة منذ كنت بعمر العشرين، ثم مروراً بالعشرين العجاف.

الجدران أجدر مني برواية القصة الآن، فهي الأقوى اليوم، لم أعد أحتمل دموعاً إضافية. أزلتُ صورهم منذ زمن، فقد باتت أثقل من أن تحملها الجدران، وقلبي.

منذ زمنٍ بعيدٍ أيضاً لم أعد أتفقّد صندوق البريد كما كنت أفعل طوال عشر سنوات، كنت أفتحه في اليوم الواحد عشرة مراتٍ أو أكثر، وفي كل مرةٍ أعود بخفّي حُنينٍ إلى هذه الغرفة. أواسي الجدران التي ملّت الصمت المطبق، حتى إذا ما قمت أقتل الهدوء المرعب استبدلته بالنواح والبكاء، ربّاه، هل هذه حياة؟


الرسمة للفنانة راما الدقاق

أذكر تلك الليلة جيداً، عندما تركني زوجي، الجندي الشاب الذي كان يعتبر نفسه بطلاً، مخدوعاً بغروره الذكوري وأنانيّته الفتّاكة. كل الذكور أنانيّون، يهرعون بأنفسهم إلى الجحيم مدفوعين بالشعارات، لاهثين وراء مجدهم المزعوم، تاركين الأحزان لقلوبنا.

استيقظت في منتصف الليل بعد كابوسٍ بشع وطبعت قبلةً على جبين طفلي الصغير. كنت أعتقد أنه سيكون رفيقي حتى آخر لحظة، أو حتى هذه اللحظة على الأقل، إلّا أنني كنت مخطئةً تماماً. ها هو قد رحل، قال لي بأنه لن يتأخر، بأنه عائد، ولن تنقطع رسائله عني. كان صادقاً في ذلك في بادئ الأمر إلا أنه ومنذ عامين غائبٌ تماماً. لقد غاب آخر ما كان يعزيني ببعده. أتراه يعتقد أن سريراً وأربعة جدرانٍ وبابٌ مقفلٌ أشياء كافيةٌ لكي أنام بأمان؟ كم هو ساذجٌ هذا الطفل، كأمّه تماماً، لا يشبه أباه. حمدت الله في بداية شبابه على هذه النعمة، إلا أنه كان ابن أبيه حقاً، هذا ما تبيّن لي لاحقاً. إن البرد قارسٌ الليلة والظلام دامسٌ أكثر مما ينبغي، أشعر بالبرد يتسلّل إلى قدميّ شيئاً فشيئاً. إنها الثالثة فجراً، ليتني أستطيع القيام من سريري، لكنني لا أود المحاولة، سأرتاح عمّا قريب.. أغمضت العجوز عينيها بهدوء، استيقظت بعد منتصف الليل، قبل عشرين عاماً تماماً، قبّلت طفلها الراقد بقربها، وغَفَت مجدداً. كانت الليلة الأولى التي تقضيها وحيدةً مع طفلها.

شباط ٢٠٢٠

0 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"