في مرمى النار، على بعد ألف ميل

بقلم: جمان الحسن.


أتفقد على الخريطة الآن المسافة الفاصلة بين مكان إقامتي في بريطانيا ومدينة معرة النعمان في إدلب، حوالي ثلاثة آلاف كيلو متر، أما زمنياً يفصلني عنها ثلاث ساعات. هذا ما تقوله الساعة والخرائط، لكن ما تقوله الحياة يختلف تماماً، فأنا أبعدُ عن تلك المدينة عشرات المجازر ومئات البراميل المتفجرة، وآلاف الصرخات المخنوقة الثقيلة، وجبل من الوجوه الواجمة الغائبة في ذاك الفراغ الموحش المليء بالموت. يفصلني عن تلك المدينة حياة وموت، شبع وجوع، دفء وبرد، أمنٌ وخوف.

كنت أشرب القهوة في الخارج، وربما شكوت قليلاً من برودة الجو وتقلبه، وفي الوقت ذاته كنت أتنقل بسرعة بين الفيس بوك وتويتر لأرى لحظةً بلحظة الأخبار التي تأتي وتتصاعد كل ثانية من معرة النعمان وجرجناز وسراقب. أبكي قليلاً وأغضب أكثر، ثم أعود لحياتي الروتينية قبل أن يهزني خبر آخر أو تُشعرني صورة من هناك بالهزيمة مرة أخرى.


لوحة للفنانة ديالا برصلي - إدلب/معرة النعمان



أتابع الاختناق في كلمات السوريين، مرارة الهزيمة في حلوقهم أحسها الآن في حلقي، وأشعر بنا عرايا من الأمل والأمن، مُطوقين بالعجز واليأس نلعن العالم والحياة.

تساءلت صديقتي اليوم بصوت عالِ: "كيف يعيش أهل الداخل اليوم ونحن هنا وفينا ما فينا من قهر وألم؟" أجبتها حينذاك أنهم يعيشون في خدر، هم يصرخون فقط كالطفل حين يولد من بطن أمه الآن صارخاً معلناً الحياة، هم يصرخون ليخبروننا أنهم ما زالوا أحياءً، أنهم هنا في مكان ما من هذا الكوكب الذي لا يراهم، استغاثاتهم تبدو مثل صوت طفل حديث الولادة حين يبحث عن نور ينتشله من ظلمة الرحم، يركضون نحو الحياة التي تهرب منهم وتبتعد أكثر كلما تقدموا إليها خطوة.

أما نحن هنا على بعد آلاف الأميال نشعر بالانسلاخ عن الواقع، حيارى بين واقعنا وواقعهم، حياتنا وحياتهم، نومنا ونومهم، شبعنا وجوعهم، نخاف أن نغصّ باللقمة التي نأكلها بينما هم ينتظرونها، نخاف أن يتحول غطاؤنا لوخزات في ضمائرنا عندما ننام على الأسِرة وينامون هم على الطرقات.

"أتابع الاختناق في كلمات السوريين، مرارة الهزيمة في حلوقهم أحسها الآن في حلقي، وأشعر بنا عرايا من الأمل والأمن"

نتعارك مع شاشاتنا التي نراقبهم من خلالها ونحاول تجاوز بعض الصور الدموية مبررين ذلك بأننا "ننهار" و"طاقتنا خالصة" أو "لا نريد التعود"، ثم نبدأ محاولات التعايش مع أيامنا وحياتنا، ونتحاشى في كثير من الأحيان أولئك الذين لا يودون سماع أخبار تعكر صفو أيامهم، نشتم ونغضب لأنهم لم يجعلوا ما يحدث جزءًا من أيامهم، ثم نلوم أنفسنا إذ أطلقنا حكماً عليهم.

وهكذا نضيع في متاهة ما بين "أنتم وهم" و"نحن"، وتفشل ربما كل محاولاتنا البائسة لنكون جزءًا من صراعات السوريين هناك، فبينما نصارع حياتنا المستمرة وكثيرة المسؤوليات في منافينا هم يصارعون من أجل بقائهم على قيد الحياة.


وقفة تضامنية مع إدلب في مدينة مانشستر/بريطانيا

هنا تظهر جلية "وصمة النجاة" والتي ترددت كثيراً قبل أن أسميها كذلك، فعادةً ما تكون النجاة كلمة دالة على الخلاص ومرتبطة بالحياة، إضافة لكونها غريزة بشرية ملتصقة بنا، إلا في حالتنا كسوريين فالنجاة حمّالة لكثير من الخيبات والحسرات ومشاعر العجز والقلق المستمر، نجاة رخوة وثقيلة معاً. إضافة إلى ذنب أننا "سوريو الخارج"، والتي تبدو تقسيماً مكانياً إلا أنّها تلقائياً -كما نعرف- تحمل صفات معينة تميزنا أو تقصينا عن "سوريي الداخل"، فنحن هنا مهما وقفنا وقفات احتجاجية ثائرة لن تكون بذات الخطورة التي يقفون بها هم هناك، وبقدر ما سنعبر عن غضبنا وسخريتنا ونقدنا وهجومنا على السياسة بحرية، لن نتعرض لحملات الاعتقال من منازلنا ولن تطالنا صواريخ العسكر ولا رصاصاتهم كما يحدث معهم. إذ أننا في كل ما نحتاجه لنعود لعالمنا الحقيقي هو أن نطفئ حواسبنا وهواتفنا المحمولة ونحاول الانفصال زمانياً ومكانياً وعقلياً.

"ثمة معركة من نوع آخر نخوضها مع نجاتنا وهي نجاة الذاكرة."

عند كل مجزرة وتهجير وحتى كل مأساة صغيرة أو كبيرة، نحاول أكثر من تضامننا الكلامي الغاضب، إحاطة نجاتنا المفترضة أو المنقوصة بمعنىً يسحب منا عقدة الذنب ويجعلها أخف ثقلاً على أرواحنا، ونفكر كيف نمنح السوريين العالقين في جحيم المصير الذي نجونا منه، نصيباً من تلك النجاة بأن نكون على سبيل المثال صوتاً أو عيوناً لهم ونقنع أنفسنا مرةً آخرى -واهمين- بأن العالم يسمعنا ويسمعهم، وفي الحقيقة ربما أن كل ما نريده هو أن نكون مرئيين لمن بقي، لنخبرهم بأنهم مرئيون لنا.

ثمة معركة من نوع آخر نخوضها مع نجاتنا وهي نجاة الذاكرة، ذاكرتنا التي نعيشها ويعيشها السوريون الآن في معرة النعمان وإدلب، التي هي من نظرة نفسية قد تكون لعنة تهزمنا ونهزمها، إلا أنها حقنا وسلاحنا الوحيد والمتاح لمواجهة هذا العالم الذي لم يضعنا حتى الآن على قائمة أولوياته في التغيير نحو كوكب أكثر عدلاً وفضيلة كما يدعي.

حرب الذاكرة وحرب الحقيقة التي نواجهها كل يوم مع العالم كله وليس مع الأسد وحده وحربه في الإبادة والقتل والتهجير وتزوير الرواية، إذ يجعل القاتل بطلاً والمقتول إرهابياً. نستخدم نجاتنا لثقب إذن العالم الأصم الموارب، نحاول ربما جعل الموت أكثر ضوضاءًا، والجوع والبرد حقيقة واقعة لتصدق، نحارب من خلال ذاكرتنا وصوتنا لنعطي صك غفران لنجاتنا المربكة.

"حرب الذاكرة وحرب الحقيقة التي نواجهها كل يوم مع العالم كله وليس مع الأسد وحده".

لا ينتهي السرد داخلي ولا يهدأ الغضب الذي يأتي مع كل مرة أتعرض بها للعنف ولصفعات متتالية تزامناً مع كل صورة وفيديو وخبر، أصرخ، ألعن العالم والمتخاذلين وأشتمنا نحن، أحاول الهرب مئة ألف مرة، أخاف السقوط بالاكتئاب مجدداً، أخاف العجز أكثر، أقنع نفسي أن أكون قوية من أجلي ومن أجل الذين ينتظرون النجاة. ثم أعود لفضاءات مواقع التواصل الاجتماعي، أتضامن مع صديقاتي في إدلب، أبكي قليلاً، وتشتعل نيران الغضب أكثر. أغلق شاشة هاتفي وأدرك فجأةً أنهم ما زالوا هناك في قبضة السجان وأنني ما زلت هنا على بعد آلاف الأميال وملايين الوجوه الخائفة. أحاول التعامل مع نجاتي لكن صوتهم يبدو مثل عقرب الساعة لا يكف في كل ثانية عن الدوران وأخذي إلى هناك، نحوهم!.

394 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"