محاولات نجاة: مات ماجد

Updated: Sep 25, 2019


يصبح السجان هادئًا ليلًا، لا أعرف سبب ذلك، إنه يهمس إلى العسكري بأوامره بصوت منخفض وبحذر كأنه يخشى أن يوقظ النائمين، أصوات التعذيب والصراخ لا تتوقف وتطغى على الهدوء لكن يبدو أنه اعتادها كموسيقا خلفية لمناوباته.

أتى الصباح، مع جولة تفقد الحضور بدؤوا بالمناداة علينا: "يلا ولاك جيفة منك لإلو يلا عالحمام"

يا للهول، تلك اللحظة تسببت لي بالانفصام حقاً، سارعت لأضرب وجهي، وأقرص يدي هل أنا حقاً في معتقلات الأسد؟ وهل يمنحوننا بالفعل حق الاستحمام؟ داخل أقبية التعذيب هنا، يوجد حمَام؟

بالفعل كان هناك مكانٌ للاستحمام، يبدأ الدور من منفردة إلى أخرى وهكذا. وصل الدور إلى منفردتنا وخرجت بدوري لأستحم. "الماء نعمة حقاً، على الأقل يوجد حق من حقوق الإنسان" همست بيني وبين نفسي بفرح. دخلت مكان الاستحمام، قطرات الماء تتساقط على جسمي، بدأت بفرك الصابونة على رأسي، ركض إليّ السجّان مسرعاً، ركلني بقدمه بكل ما أوتي من قوة: "جايبك عأوتيل يا ابن الشرموطة ما؟"


"فخ الاستحمام" إنه نوع من أنواع التعذيب النفسي أو الجسدي، ربما كليهما، أو ربما نوع آخر لا أعرف اسمه ولكن أعرف أنه جهنمي. لديك ثوانٍ قليلة لا تكفي لتبلل نفسك وتخرج مسرعاً نحو زنزانتك الانفرادية المخصصة لشخص واحد لكنها تحوي أربعة أشخاص غيرك. مع ارتفاع درجات الحرارة في المكان سيزداد جسمك الذي ابتل اتساخًا، ويصبح بيئة أكثر خصوبة لتكاثر الجراثيم وانتشارها.

"فخ الاستحمام" إنه نوع من أنواع التعذيب النفسي أو الجسدي، ربما كليهما، أو ربما نوع آخر لا أعرف اسمه ولكن أعرف أنه جهنمي. لديك ثوانٍ قليلة لا تكفي لتبلل نفسك وتخرج مسرعاً نحو زنزانتك الانفرادية المخصصة لشخص واحد لكنها تحوي أربعة أشخاص غيرك. مع ارتفاع درجات الحرارة في المكان سيزداد جسمك الذي ابتل اتساخًا، ويصبح بيئة أكثر خصوبة لتكاثر الجراثيم وانتشارها.

بعد أن تأكد السجان بأن الجميع قد تم إدخالهم إلى غرفة الاستحمام بدأ بمناداة الأسماء التي يجب تجهيزها للتحقيق. تأملت الوجوه، الخوف يعتريها كلها، لا أحد يريد أن يفارق زنزانته. وهنا المفارقة غير المنطقية: السجين متعلق بزنزانته المحشور فيها مع أربعة أشخاص آخرين لا يعرفهم من قبل ولا يريد أن يتركها.

طلب السجان ثلاثة أسماء للتحقيق. من بينهم سجين كان يعمل في الدفاع الوطني في حمص، عرفنا بعد ذلك أنه كان يبيع المازوت والبينزين للجيش الحر، أحيانًا كان يبيعهم سياراتٍ أيضًا، هذا الشخص كان يتعرض للتعذيب بشكل مضاعف لأنه خائن للطائفة الحاكمة بنظرهم.


أعتقد أن من أكثر الأشياء التي تربط على قلب المعتقل هي النوستالجيا التي يهرب إليها، الحنين لما كان والشوق لما سيكون. بمجرد أن أغمض عيني تتوافد إلى ذاكرتي أشكال من أحب، رائحتهم وأصواتهم. كثيرًا ما كنت أعِد نفسي بأن أكلم الفتاة التي كنت معجبًا بها إذا قُدر لي وخرجت من هنا بسلام. وكثيرًا ما كنت أتخيل أني سأدرس القانون لكي أعرف أكثر عن حقوق الإنسان وأدافع عنها فيما بعد. الأمل والذاكرة كانا سبب نجاتي في المرتبة الأولى.


تم إعادة اثنين بعد التحقيق إلى زنزانتهم وطلبوا اثنين غيرهم. ماجد، جاري في المنفردة المقابلة تمت إعادته من التحقيق لكن شكله قد تبدل كليًا. كان يهدئني طوال الوقت ويحاول تقويتي: "ما سيحصل هنا سيحصل حتى لو بكينا دهراً كاملاً." عاد ماجد وجسده أزرق اللون بشكل كامل، من رأسه حتى قدميه. مفصل يده مكسور. حالته يرثى لها لكنه لم يكن يئن أو يتوجع، لعل جسمه كان مخدراً من شدة التعذيب لدرجة منعته من الإحساس بوجعه.


لا تنتهي حفلة التعذيب مع انتهاء التحقيق، وإنما تستمر بعد العودة. المحقق يصدر الأوامر أحيانًا بمنع المعتقلين من الجلوس على الأرض ليمعن في تعذيبهم. صرخ العسكري في ماجد أن يبقى واقفًا، حاول ماجد الوقوف لكنه ترنح بعد برهة ووقع أرضاً مع كل ثقله. هجم عليه المراقب وبدأ بضربه آمرًا إياه بالوقوف لكن ماجد لم يتحرك، بعد جولة من الضرب والركل تبين للعسكري أنه فاقد لوعيه لكنه تابع ضربه بالحذاء العسكري وبالعصا دون توقف، لكن ماجد لا يتحرك.. مات ماجد.

ربما لم تكن قدرات العسكري الوحش العقلية ومداركه الإنسانية بالنضج الكافي ليعلم أن عدم تحرك الإنسان عند تعذيبه يعني غالبًا موته، لقد استمر بالتعذيب غير آبه حتى اعتراه الملل فطلب طبيب السجن الذي استغرق وصوله ساعة كاملة، دخل الطبيب وهو يضع كمامة على فمه، وكأن الموجودين في الداخل وحوش قد يصيبوه بعدوى مرض مميت، فحص ماجد وأخبر العسكري أنه قد فارق الحياة.

لم يكن عقلي قادرًا وقتها على تفسير ما يحدث، أو فهمه، لكن عندما أفكر بذلك اليوم يتبين لي أن هؤلاء الوحوش يضربون أبناء بلدهم حتى وهم جثث هامدة، لا يهم، وسيلتهم للتفاهم معنا هي فقط الضرب والضرب والضرب.


عندما دخل السجان المناوب في اليوم التالي وعرف بوفاة ماجد، تلفت يمينًا ويسارًا، وقع نظره على الشاب الجالس على حافة المنفردة المقابلة (أنا) وآخر على الجهة المقابلة، صرخ فينا :" قوم ولك حيوان إنت وياه، شيلوا هالفطيسة ولحقوني تشوف." لم أستجب، لم أفهم ماذا يطلب مني! بقيت ذاهلًا دون حراك حتى ضربني بكف يده على وجهي مجبرًا إياي على النهوض. نهضت ووقع نظري على وجه ماجد المشوه، لم أستطع رؤية آثار التعذيب على وجهه في اليوم السابق لشدة الظلام حينها، تأملت ملامحه ولكن كل ما كنت أراه وأنا أنظر إليه هو وجهي.


حملنا ماجد سويةً، كان ثقيلاً، جسده مهشّم منتفخ وعظامه مكسّرة. حملناه مجبرين، تماسكت ولم أبكِ حينها رغم أن دموعي تنهمر بشكلِ تلقائي عندما أتذكر المشهد اليوم. في لحظات كتلك يشعر المرء بقوة لم يكن يعلم بأنه يحملها داخله.

لحقنا السجان الذي قادنا إلى مكان تحت الدرج تكدست فيه جثث مرمية فوق بعضها تفوح منها رائحة الموت والدم. على أحد الجدران استطعت أن أقرأ: (داعش الأسد) وفي زاوية كانت هناك طاولة عليها أوراق مستطيلة الشكل وأقلام، ربما كان يتم استخدامها في نهاية اليوم لترقيم الجثث ومن ثم تحميلها في الشاحنات التي تأتي لنقلها إلى المقابر الجماعية.


عدنا إلى منفرداتنا، كان بعض المساجين صائمين، البعض كان يتبرع للصائمين بفتات الخبز والزيتون قدر المستطاع. كانت ثمة صلة روحية جميلة بيننا رغم أننا لا نعرف عن بعضنا إلا القليل. لعل هذا الشيء الوحيد الذي لم يتمكن نظام الأسد من إيجاد خطة لتدميره بشكل كامل. شعرت بالتعب وأغمضت عيني، لكن صورة وجه ماجد وجسده لم تفارقني وكوابيس موتي بنفس الطريقة صارت تلاحقني كل يوم. كان ماجد أول جثة أحملها في المعتقل. الشخص الذي كان يطمئنني بأن كل شيء سيكون على ما يرام رحل والأمل بدأ يتبدد، مضى الكثير من الوقت وأصوات التعذيب تعيد نفسها في الليل، عينا ووجه المراقب، صوته الذي يذكرنا بين الحين والآخر أن مصيرنا كلنا جثث تحت أحذيتهم لأننا خونة لم نختر الوقوف مع قائدهم، ويديه التي كانت تربطنا لكي يتم اقتيادنا إلى غرف التعذيب هي ذاتها كل يوم. كل هذه الأدوات الوحشية أضحت بكل بساطة "حياتي" هناك.

217 views

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"