يا مــــحـــلا الفـــســـحــة


كتب كلمات الأغنية الشيخ أحمد عاشور، وغنّتها «سلطانة الطرب» منيرة المهديّة. ليس متوافرًا، بنتيجة البحث والتنقيب، متى وُلدت «يا محلا الفسحة» إلا على سبيل الاستئناس: فإن كانت المهديّة قد بدأت نشاطها الفنيّ في سنة 1906، ولحّنها سيّد درويش، المتوفى سنة 1923، تكون الأغنية من نتاج الهزيع الأخير للحقبة العثمانيّة؛ بإطار زمنيّ شملت أحداثه «المؤتمر العام» و«إعلان الاستقلال» السوريّ، وميسلون.


ويذهب التحليل، أن دخول الأغنية إلى سوريا، تمّ عبر سوريي مصر، ذلك أنّه ومنذ النهضة الاقتصاديّة في أيام الخديوي اسماعيل من جهة، و«الاستبداد الحميدي» في سوريا العثمانيّة من جهة ثانية، أخذت مصر المستقلّة باستقطاب جالية كبيرة العدد من «الشوام» ؛ وساهم تطوّر وسائل النقل إذّاك بسهولة التنقّل بين الإقليمين، إن لم يكن بهدف الإقامة الدائمة، فللتجارة أو للدراسة في الأزهر.

وقضية «الشوام» في مصر، تحتاج بالتأكيد لمزيدٍ من البحث، إذ بقيت واحدةً من بين الأجزاء العديدة الأخرى التي لم تنل ما يكفي من الدراسة والتحليل. يعطي دانيال بايبز على سبيل المثال، في تحليله لنشوء الهوية السوريّة الحديثة، دورًا بارزًا للجالية في مصر في صناعة هذه الهويّة ونشوئها: سلبيًا، فإنّ المصريين أشاروا للوافدين، دون تمييز، بوصفهم شوام؛ إيجابيًا، فإن السوريين أنفسهم، إن كانوا في مدنهم وولاياتهم، أجزاءً من منظومات طبقيّة، مناطقيّة، طائفيّة، وإثنيّة، فإنّهم في القاهرة أو الاسكندريّة، متحررّون من كلّ ذلك، هناك بإمكانهم أن يشعرّوا بالرابطة المشتركة التي تجمعهم في «حلب» و«درعا» و«حيفا»، ويطوّروا على أساسها نوعًا من التضامن الاجتماعي. والأمر ذاته قد قيل حول سوريا الصغيرة والجالية في الولايات المتحدة.


ترتبط «يا محلا الفسحة» إذًا بشكل مباشر مع الاستقلال السوري الأول وبدايات الانتشار السوريّ في خمسة قارات العالم، لكنّ ذلك لا يقدّم تفسيرًا كافيًا كيف غدت الأغنية جزءًا من «التراث السوري» وبشكل خاص في اللاذقيّة. والحاصل، أنّ التأمل في كلمات الأغنية توحي بأصل غير محليّ – وعلى سبيل المثال، فاللغة المحكيّة على تنوّعاتها تستخدم «سيران» أو «مشوار» وليس «فُسحة» في وصف النزهة - على أنّ إدخال الأغنيّة لباقة التراث، لم يكن باقتباسها «كما هي»، فاللحن والتوزيع عُدِّلا بشكل جذريّ، وذلك ما استطال ليشمل أيضًا مفردات بعينها، منها إحلال «على» راس البر بدلاً من «في» راس البر؛ حتى «الجيم المصريّة» استعيض عنها بالجيم العاديّة، وهو ما لم يحصل مع أغانٍ أخرى، أحدث زمنًا، تم فيها الحفاظ على لفظ الجيم الأصلي (وكذلك الحال بالنسبة لأغانٍ من التراث البدوي، تمّ الحفاظ فيها على القاف النجديّة). ليس دون شيء من المجازفة، لكنّ هناك ما يدفع لاعتبار أنّ استبدال اللحن والتوزيع، وبعض المفردات والألفاظ، كانت تتويج وختام عملية التأصيل والتبنّي المحلّي للأغنية. في اللاذقيّة، هناك حيث يوجد فعلاً «راس للبر» ويمكن التأمل بـ«موج البحر»، باتت الأغنية ترتبط مباشرة بها وبتراثها، وغدت أبرز «الطقوس» الغنائيّة للتجمعات العائليّة وغير العائليّة في المدينة.


المميّز في الأغنيّة، ليس فقط تاريخها العريق أو عملية تأصيلها المحليّ، بل خلافها الجذري «للتنميط السائد». النشيد، على لسان إمرأة، تفتخر بميل الحبيب لها: قلّي تعالي، ويبدو أن علاقتهما الغراميّة، من خارج الإطار التقليديّ للتعارف الأسري والزواج: كوني حلالي! وفي المقاطع التالية، تخصص المرأة غزلاً علنيًا بالمحبوب: عيونو كحيلة، ....، لفتاتو حيلة! وبينما يأتي علينا «التنميط السائد» المعاصر، والمنتشر في كافة مرافق الفضاء العام تقريبًا، بكثير من «الفجاجة» في الحديث عن العلاقات الأسريّة والاجتماعية آنذاك، يبدو أمامنا مثال «حيّ» من التراث، يحتفل بالتنوّع والحب، وتغازلُ النساء فيه علنًا، بما يخالف الصورة القاسيّة لما يفترض أنّه «الأصول» و«خصوصيّتنا» و«عيب». عمر الجابري، ليس بعيدًا عن مرحلة الاستقلال السوريّ الأول أيضًا، كتب "الاختلاف هو العلامة التجاريّة (Trademark) لهذه البلاد"،[*]، حيث يتحرر الفضاء العام من قيود «الخصوصيّة». ذلك هو ما نريده أن يبقى.


تقنيًا، غنّى «يا محلا الفسحة» كافة فنانيّ اللاذقية المحليين، مصطفى يوزباشي، جورج خوري، خليل صفتلي، وغيرهم، غنّاها حديثًا ميادة بسيليس، وأدخلت لينا شماميان الكثير من الجاز (مع تقديري العميق لموسيقى الجاز) على الأغنيّة التراثيّة، حتى فقدت روحها الأولى واستحال تمييز مقام «نوى» فيها، وكذلك فعلت فرقة رم، مع استبدال سمج لـكوني حلالي بـانتي حبيبة قلبي؛ ولم تشذّ بوق النظام السوري، فايا يونان عن القاعدة؛ على أنّ أجمل ما احتواه الفضاء الالكتروني من نسخ منشورة للأغنية، هي تلك التي قدّمها بلكنة حلبيّة لطيفة، الطفل عبد الرحيم الحلبي، خلال مشاركته في برنامج الهواة «ذا فويس».


معنويًا، وعلى أعتاب الذكرى المئوية الأولى لإعلان الاستقلال السوريّ، تعطي الأغنية بكثافتها التاريخيّة، وتحدّيها «التنميط السائد»، مشاعر إيجابيّة لمن بقي مدافعًا عن هذه البلاد ومَدَنيتها وتنوّعها. لكم ولكنّ جميعًا، كُتبت هذه السطور.




[*] في كتابه «سوريا تحت نظام الانتداب La Syrie sous le regime du Mandat» الصادر سنة 1934 بالفرنسيّة، في تولوز.

©2019 كافة الحقوق محفوظة لمجموعة "لسا موجود"